لوليد جنبلاط طريقته الخاصة في الكلام السياسي. فالرجل الذي نادراً ما يتحدث في صغائر الأمور، والذي تحمل “دردشاته” العابرة دلالات أبعد بكثير مما يوحي به ظاهرها، اختار في لقائه الأخير مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن يصمت هو وتتكلم الكتب؛ مجموعة عناوين قدّمها هديةً إلى ضيفه السوري وإلى الرئيس أحمد الشرع، تحمل كل واحدة منها رسالة مدروسة، وتختصر مجتمعةً هواجس المختارة في هذه المرحلة الدقيقة من عمر البلدين.
لم يكن اللقاء بروتوكولياً عابراً إذاً، ولا حديثاً تقليدياً في الشؤون اليومية؛ بل كان أقرب إلى جلسة قراءة سياسية، عناوينها: السويداء، وفلسطين، ولبنان، والعدالة والمحاسبة، وإسرائيل ومخططاتها، وخيار سوريا الذي لا يتبدّل، بحسب مصادر مطلعة لموقع “لبنان الكبير”.
“لم يجرِ الحديث عمّا قيل حول التدخل السوري في لبنان أو سلاح حزب الله”، بحسب المصادر، وانحصر الحديث في الإطار الإنساني وفي الكتب، وفي الهاجس الأساسي المشترك: المخطط الإسرائيلي الواحد الذي يشمل البلدين معاً.
”الدروز في زمن الغفلة”
بحسب مصادر “لبنان الكبير”، يأتي في طليعة الكتب، كتاب “الدروز في زمن الغفلة: من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية” للمؤرخ والباحث قيس فرو، وهو من الموحدين الدروز في فلسطين. يحلل فرو التحولات السياسية والاجتماعية لطائفة الموحدين الدروز في بلاد الشام، ويوضح كيف خططت إسرائيل واستغلت مصادرة الأراضي الزراعية وتدهور الوضع الاقتصادي لاختراق القرى الدرزية، بهدف دفع أبنائها إلى ترك الزراعة والانخراط في سلك الأمن والتجنيد الإجباري.
دلالة هذا الكتاب أن ما يفعله المشروع الإسرائيلي اليوم في السويداء، هو نسخة عمّا فعله بالأمس في فلسطين. أما الحقيقة التي يريد جنبلاط تثبيتها في وجه هذا المخطط، فهي تلك التي يوثّقها فرو نفسه: الدروز مسلمون، وجزء لا يتجزأ من نسيج أمّتهم، وليسوا ورقة في يد أحد، ولا سيما الإسرائيلي.
”أحداث دمشق 1860″
الكتاب الثاني، باللغة الإنكليزية، للمؤرخ الأميركي يوجين روغان، (The Damascus Events: The 1860 Massacre and the Making of the Modern Middle East)، وبالعربية “أحداث دمشق: مذبحة 1860 وتشكيل الشرق الأوسط الحديث”.
يسلط الكتاب الضوء على أحداث العام 1860، حيث شهدت مناطق جبل لبنان ودمشق صراعاً طائفياً دامياً بين الموارنة والدروز، تطور إلى مجازر واسعة النطاق. ويشرح كيف شكلت هذه الأحداث تحدياً متزايداً للدولة العثمانية في سعيها إلى الحفاظ على سيادتها وتطبيق إصلاحاتها في وجه ضغوط داخلية وخارجية متصاعدة.
ويُظهر كيف تدخل الصدر الأعظم فؤاد باشا، مبعوث السلطان العثماني الذي وصل إلى دمشق بسلطات استثنائية، وتحرك بحزم فأنشأ محاكم خاصة حاكمت المتورطين من مختلف الشرائح، وفرض عقوبات صارمة، ودفع تعويضات للمتضررين، وقاد ورشة إعادة إعمار واسعة.
أراد جنبلاط، بحسب المصادر أيضاً، إيصال الرسالة التي لطالما كررها بعد أحداث السويداء، وهي: لا عدالة من دون محاسبة المرتكبين والاقتصاص منهم.
“المتاهة اللبنانية”
الكتاب الثالث هو “المتاهة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان (1918-1958)”، من تأليف “رؤوفين أرليخ”، وهو عميد متقاعد في الاستخبارات الإسرائيلية.
يقدّم الكتاب قراءة معمّقة للعلاقة التي نسجتها الحركة الصهيونية ثم إسرائيل مع لبنان منذ أواخر العهد العثماني وحتى عام 1958. ومن أبرز ما يتناوله ما يُعرف بسياسة “حلف الأقليات”، وهي الفكرة التي قامت على محاولة بناء شبكة تفاهمات بين إسرائيل وبعض الأقليات القومية أو الدينية في المنطقة في مواجهة المحيط العربي الواسع.
كما يسلّط الضوء على شبكة من الاتصالات السرية التي جرت بين مسؤولين إسرائيليين وشخصيات لبنانية في مراحل مختلفة، وكان الهدف منها استكشاف إمكانات التعاون أو التأثير في القرار اللبناني الداخلي؛ مبيّناً أن إسرائيل لم تتعامل مع لبنان يوماً كجار عادي، بل كبلد يحمل فرصاً استراتيجية ومخاطر في آنٍ واحد.
ووفق المصادر هنا، أعاد جنبلاط تأكيد التحذير من إسرائيل ومشاريعها من الجنوب إلى الجبل، ومن فلسطين إلى السويداء؛ فالمخطط واحد وإن تبدّلت العناوين والجغرافيا.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.