في السياسة، كما في البروتوكول العثماني، لا يُختار المكان بلا معنى. فحين يستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة نواف سلام في قصر وحيد الدين بإسطنبول، إذ لا يعد القصر مقراً رسمياً للدولة كالمجمع الرئاسي في أنقرة، بل مقر إقامة وعمل أردوغان الشخصي في إسطنبول، حيث يستقبل الضيوف الذين يريد منحهم طابعاً خاصاً وودياً يتجاوز البروتوكول الجاف، خاصة وأنه كان بحضور وزير الخارجية هاكان فيدان، والسفير اللبناني في تركيا منير عانوتي، وعلى مأدبة عشاء عمل، فإن الرسالة تتجاوز حفاوة الاستقبال: تركيا تفتح للبنان باباً إقليمياً واسعاً، في الوقت الذي يمر فيه لبنان بمرحلة حساسة جداً، عنوانها الجنوب واتفاق الإطار وإعادة الإعمار وسلاح “حزب الله”.
ومثّل اللقاء محطة بارزة لتأكيد عمق العلاقات اللبنانية – التركية، إذ شدد الجانبان على أهمية الحوار والدفع بالتعاون الثنائي نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح المتبادلة وتعزز استقرار المنطقة. وقد ركزت المباحثات على تفعيل الشراكة في قطاعات حيوية تشمل الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية. وفي هذا السياق، توافق الطرفان على إحياء اتفاقية التبادل التجاري الحر واستكمال مشاوراتها الفنية لرفع حجم التبادل، مع الالتزام باستمرار التنسيق الدبلوماسي وتنشيط آليات العمل المشترك كافةً.
شراكة استراتيجية
معلومات موقع “لبنان الكبير” تشير إلى أن هناك حرصاً من الطرفين التركي واللبناني على تنفيذ ما تم التوصل إليه خلال اللقاء من تفاهمات ستؤسس لانتقال علاقة الصداقة القائمة بين لبنان وتركيا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
ما وراء البيانات الرسمية
أعلنت الرئاسة التركية أن اللقاء تناول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، مع تأكيد أردوغان أن تركيا تعتبر لبنان “بلداً شقيقاً”، وأنها ستواصل مبادراتها الدبلوماسية لضمان أمنه ودعم انسحاب إسرائيل الكامل من أراضيه.
لكن المضمون الأعمق يكمن في العقيدة التي عبّر عنها أردوغان نفسه سابقاً حين قال إن أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل يمتد إلى حلب ودمشق وبيروت. بهذا المعنى، باتت بيروت جزءاً من الخريطة الأمنية التركية المعلنة.
في المقابل، ثبّت سلام الثوابت اللبنانية: استقلالية القرار الوطني، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحشد الدول الصديقة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، داعياً إلى الارتقاء بالعلاقات نحو “الشراكة الاستراتيجية”، وهي عبارة التقطتها الصحافة التركية وتصدّرت تغطياتها.
المقاربة التركية
أنقرة ترفض معالجة الملفات اللبنانية بصورة منفصلة، وترى أن أي تسوية تبدأ بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ثم تعزيز مؤسسات الدولة، وصولاً إلى حوار داخلي يستند إلى اتفاق الطائف، بعيداً من فرض الوقائع بالقوة.
وتتحفظ تركيا على سعي إسرائيل لاستغلال المفاوضات لانتزاع ترتيبات أمنية طويلة الأمد تمنحها حرية حركة في الجنوب، معتبرة أن أي اتفاق لا ينتهي بانسحاب كامل سيؤسس لجولة مواجهة جديدة.
اقتصادياً، تنظر إلى لبنان بوصفه حلقةً في منظومة الربط بين الخليج وسوريا وتركيا وأوروبا، عبر شبكات الطاقة والنقل والمرافئ، ما يفتح الباب أمام مشاريع تنموية إقليمية أوسع تعمل عليها تركيا مع دول الخليج، وفرص استثمارية وإعمارية يفتقدها لبنان منذ سنوات.
ومن الناحية الإنسانية، تتواصل المساعدات التركية التي ثمّنها سلام صراحة.
ما بعد الزيارة
لا تقف الحركة الدبلوماسية عند سلام. فالرئيس جوزاف عون يتوجه إلى أنقرة في 29 تموز، بعد عودته من واشنطن، في تتابع لا يبدو تفصيلاً: بيروت تتحرك بين العاصمة الأميركية والعواصم الإقليمية، وأنقرة تفتح قناة مباشرة مع الرئاستين الأولى والثالثة معاً. وهكذا، لم تعد تركيا ضيفاً على المعادلة اللبنانية، بل شريكاً يسعى إلى موقع ثابت فيها، والاختبار الحقيقي سيكون في ترجمة “الشراكة الاستراتيجية” من عنوانٍ في البيانات إلى مسار ملموس.


