يدخل قانون العفو العام اختباره الأصعب تحت قبة البرلمان، بعد أشهر من الأخذ والردّ، فما عاد جائزًا، بعد اليوم، أن يُدار الملف بمنطق التسويف والمقايضات. المسألة لم تعد ترفًا تشريعيًا يحتمل التأجيل من جلسة إلى أخرى، بل جرحًا وطنيًا مفتوحًا اسمه سجون تفيض بمن أمضوا ثلاثة عشر وأربعة عشر عامًا خلف القضبان من دون حكم ولا محاكمة، في انتهاك صارخ لأبسط قواعد العدالة التي تقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
وليس أدلّ على هذا العبث مما حصل مع الصيغة الأخيرة، التي تضمنت مادة قيل إنها جاءت لإلغاء عقوبة الإعدام، أي لخطوة حقوقية بامتياز، فإذا بها تتحول في التطبيق إلى باب خلفي لاستثناء عدد كبير من المحكومين من العفو نفسه.
هكذا يُدار الملف منذ البداية: كل تعديل يلد اعتراضًا، وكل تسوية تفتح ثغرة، وكل جلسة تؤجَّل بذريعة استكمال التشاور، فيما أصحاب القضية الحقيقيون يعدّون سنواتهم الضائعة خلف الجدران.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر متابعة لملف العفو العام أن المعنيين ماضون في مسار تحقيق الأفضل في الملف، كاشفةً أنه جرى التوصل أمس، خلال اجتماع مع رئيس الحكومة، إلى تفاهم على عدد من النقاط التي كان الخلاف أو الإشكال قائمًا حولها، بعضها يتعلق بتخلية السبيل في حال تجاوز التوقيف مدة معيّنة، إضافة إلى موضوعَي المؤبّد المشدّد وعقوبة الإعدام، مشيرةً إلى أنها نقاط سبق بحثها، «غير أننا نضغط الآن من أجل تمريرها».
واعتبرت في حديثها مع موقع «لبنان الكبير» أن المهم في العفو هو «الإسلاميون»، أي رفع الظلم عنهم، وأضافت أن كثيرين منهم أخطأوا، لكن بينهم مَن أمضى ثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا محبوسًا أو موقوفًا من دون محاسبة، «وهذه مشكلة يجب أن تُحلّ».
ورأت أن هذه «آخر فرصة» متاحة، وأن العمل يجب أن يتم، كما يُقال، «قطرة قطرة»، لافتةً إلى أن الملف لا يخصّ فئة واحدة: ففي ملف المخدرات هناك السنّي والشيعي والمسيحي، وفي ملف العملاء هناك الشيعي والمسيحي والدرزي، أي أن الملف مختلط وإن كانت الغلبة في كل ملف لفئة دون أخرى.
وإذ أقرّت المصادر بوجود تحديات، اعتبرت أن تجاوزها يتطلب نيّة تعاون بعيدًا من الشعبوية التي «يجب أن تتوقف»، لأن العمل منصبّ على ملف العفو العام بصرف النظر عن أي ملف آخر ومن دون مساس بهذا المبدأ.
وقالت لـ«لبنان الكبير» إن المطلوب اليوم هو وقف المزايدات الشعبية والسياسية والطائفية، والتعامل مع الملف بوصفه ملفًا قانونيًا وإنسانيًا ووطنيًا، يتصل في الوقت نفسه برفع الظلم عن فريق عانى في مرحلة معيّنة مما كان قائمًا.
وختمت المصادر بالقول: «كفى مزايداتٍ على حساب الناس الذين ننتظر خروجهم»، داعيةً مَن يريد الاعتراض إلى أن يعترض بالنص والقانون، لا بالشعارات والتحريض وإصدار البيانات، وإلى مناقشة قانون العفو بشكل هادئ ومتوازن ومسؤول.
المطلوب من مجلس النواب في جلسة هذا الأسبوع قرار شجاع واحد: إقرار القانون وإسقاط منطق المزايدة، أما الاستمرار في تحويل مآسي السجناء وعائلاتهم إلى ورقة تفاوض سياسي، فهذا غير مقبول.


