دخل الصراع مرحلة جديدة يتلاقى فيها النجاح العسكري والدبلوماسي والاقتصادي والشرعية السياسية في مكان واحد… وهو مضيق هرمز، بعد طي “مذكرة التفاهم” بين واشنطن وطهران التي لم يجف حبرها بعد، وإعلان إيران أن مضيق هرمز مغلق إلى إشعار آخر.
فمع استئناف الضربات العنيفة بين الولايات المتحدة وإيران، انتقل الثقل الاستراتيجي للصراع إلى مضيق هرمز، متجاوزًا الصراع التقليدي حول برنامج إيران النووي. وباتت إيران تتعامل مع مضيق هرمز بوصفه “ورقة بلاتينية” تفوق بأهميتها حيازة قنبلة نووية، وكاستحقاق قانوني وعسكري لحرب الأربعين يومًا.
صحيح أن طهران التزمت -وفقًا لـ”مذكرة التفاهم”- بإزالة الألغام وإعادة فتح الملاحة البحرية في المضيق، غير أنها فسرت بندًا في هذه المذكرة الغامضة، ينص على تأمين طهران مرور السفن دون رسوم مدة ستين يومًا، بوصفه اعترافًا ضمنيًا بدورها في إدارة حركة الملاحة.
وباتت طهران تعتبر أن من حقها إدارة حركة المرور داخل مضيق هرمز، وتحصيل رسوم جباية على حركة السفن تحت عناوين مختلفة؛ لأن المعبر ببساطة أصبح جزءًا لا يتجزأ من السيادة الإيرانية، وفقًا لما صرح به مستشار المرشد الأعلى في إيران، علي ولايتي.
وتتجاوز طهران بذلك المفهوم التاريخي بأن لإيران نفوذًا كبيرًا على الشريان المائي بحكم الجغرافيا، تجاه حقها القانوني بملكية مضيق هرمز، وتنصيب نفسها “شرطيًا” يتحكم في حركة الملاحة العالمية وإمدادات الطاقة من خلال المنع والسماح الانتقائي لناقلات النفط والغاز، جنبًا إلى جنب مع تحصيل رسوم العبور من السفن، في انتهاك جسيم لـ”قانون البحار” و”حرية الملاحة في المضائق المائية”.
اكتشفت طهران القوة الضاربة لورقة هرمز خلال المواجهة العسكرية مع واشنطن في عام 2026، وأثبتت النتائج السياسية فعالية أكبر للمضيق المائي من البرنامج النووي نفسه الذي استثمرت فيه إيران عشرات مليارات الدولارات عبر مسار طويل ومعقد؛ إذ أصبحت تنظر إلى المعبر المائي بوصفه “أصلًا استراتيجيًا” يتقدم حتى على القنبلة النووية.
صحيح أنه منذ عقود، ارتبط اسم مضيق هرمز بوصفه “الشريان المائي” وأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبحكم الجغرافيا العسكرية، بقدرة إيران على تهديد صادرات الطاقة الخليجية ومسارات الطاقة العالمية في حال تعرضها لحرب أو حصار خانق، لكن هذه القدرة بقيت في معظم الأزمات السابقة تهديدًا مؤجلاً أكثر منها سياسة مطبقة.
ولكن في حرب 2026، نجح إغلاق مضيق هرمز في إحداث ضغط اقتصادي هائل في وقت قياسي، وأسهم في تهيئة الظروف لوقف واشنطن العمليات العسكرية والانتقال إلى مسار التفاوض، وتحوّل من تهديد مؤجل إلى سياسة مطبقة، وساحة مواجهة فعلية، ومحورٍ للتفاوض على مستقبل الحرب والنظام الأمني في الخليج والإقليم.
لكن نجاح أي ورقة ضغط يحمل في داخله بذور مشكلة جديدة، وهي الاعتماد المفرط عليها، الذي يؤدي مع مرور الوقت إلى تآكلها، وتحولها من مصدر قوة إلى مصدر هشاشة. فالأداة التي تحقق نجاحًا كاسحًا في مرحلة ما تتحوّل إلى عبء إذا أصبحت متوقعة، ودفعت الخصوم إلى بناء تحالفات واستراتيجيات للالتفاف عليها.
وحذرت صحيفة “نيويورك تايمز” من الإفراط في استخدام “ورقة هرمز”، مما يدفَع الدول ومراكز الثقل في العالم إلى تسريع خططها البديلة، وتطوير موانئ ومسارات وخطوط أنابيب بديلة لتقليص الاعتماد على المضيق.
لقد أحدثت هذه الاستراتيجية الإيرانية اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد وبقاء آلاف السفن عالقة لأشهر، لكنها جعلت دول الخليج والمستوردين الآسيويين وشركات الشحن الدولية يمتلكون حافزًا قويًا لبناء بدائل كانت مؤجلة، ودفعتهم لإعادة تقييم ارتهانهم بممر واحد والبحث عن طرق أكثر أمانًا، وتغيير مسارات الطاقة باتجاه البحر الأحمر، وتطوير خطط طوارئ، وتغيير العقود، وتوزيع المخاطر.
لقد أثبت إغلاق مضيق هرمز أن إيران قادرة على إحداث صدمة كبيرة وهزة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية، إلا أنه كشف أيضًا أن الاقتصاد العالمي قادر على التكيف مع هذا الإغلاق؛ لذلك فإن طهران تواجه خطر تأقلم الاقتصاد العالمي مع ارتفاع أسعار النفط إذا أُغلق المضيق لفترة طويلة. فقد وصل سعر برميل النفط اليوم، في ظل الضربات العسكرية وقصف الناقلات، إلى أقل من 100 دولار، في حين أن سعر البرميل كان قد وصل إلى 120 دولارًا في الأيام الأولى من الإغلاق قبل أربعة أشهر، مما يشير إلى حالة من التأقلم لأسعار الطاقة.
قبل الأزمة، كان من الممكن النظر إلى إنشاء خطوط بديلة على أنه استثمار مرتفع الكلفة لا توجد ضرورة عاجلة له، أما بعد تعطيل الملاحة واستهداف السفن، فقد أصبح تنويع طرق التصدير جزءًا من الأمن الخليجي وأمن الطاقة الآسيوي، وازدادت الجدوى الاقتصادية والسياسية لمشروعات كانت مؤجلة أو غير جذابة.
لم تخسر إيران ورقة معبر هرمز بالمعنى الجغرافي أو العسكري، فالمضيق ما زال أهم ممر بحري للطاقة في العالم، لكن طهران تواجه خسارة كبيرة في القيمة السياسية والاستراتيجية لهذه الورقة التي ستفقد بريقها بوصفها سلاحًا اقتصاديًا فتاكًا، وستصبح تكلفة إغلاق المعبر على إيران أكبر بكثير من جدواه.
ذهبت طهران إلى الحد الأقصى من المواجهة بإعلانها أن مضيق هرمز مغلق حتى إشعار آخر، وبتلويحها بإغلاق باب المندب في البحر الأحمر عبر حلفائها الحوثيين، ولكن هذا يعني أن إيران سقطت في “فخ المضائق” بوصفه أكثر جدوى من قنبلة نووية، وهي بذلك تستدعي -من حيث تدري أو لا تدري- تشكيل أوسع تحالف قانوني وسياسي وعسكري ضدها.


