بعد 17 عاماً من الغياب، عاد رئيس لبناني إلى البيت الأبيض في زيارة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز إطارها البروتوكولي. ففي توقيت بالغ الحساسية، اكتسبت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية، عاكسةً مؤشرات إلى مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – الأميركية. ولم تقتصر الرسائل على رمزية الزيارة، بل تجلت أيضاً في الحفاوة التي استقبل بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره اللبناني، وفي المواقف التي أطلقها خلال اللقاء، والتي اتسمت بإيجابية واضحة. فقد أكد ترامب استعداد بلاده لتقديم دعم كبير للبنان، واصفاً الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، بأنه “إنجاز تاريخي”، ومخاطباً عون بالقول: “سيكون هذا إرثك العظيم”، معتبراً أن الوقت قد حان لينعم لبنان والمنطقة بالاستقرار والأمن. ولم تتوقف رسائل ترامب عند هذا الحد، إذ فاجأ الجميع بإعلانه، للمرة الأولى، استعداده للتواصل مع “حزب الله” إذا رأى الرئيس عون أن ذلك يخدم المصلحة اللبنانية.
ورداً على سؤال عن الموعد الذي ستنسحب فيه القوات الإسرائيلية بالكامل، تجنب ترامب تحديد جدول زمني، واستخدم تعبير “إعادة الانتشار”، قائلاً: “إن القوات الإسرائيلية في طور إعادة نشر وحدات أخرى”، مضيفاً أن “إسرائيل ولبنان على وفاق تام، وأن الاتفاق الموقع بينهما كان رائعاً”.
ملفات عدة نوقشت بين الرئيسين، لكن يبقى الأهم قراءة ما بين السطور، وماذا عن الأجواء التي رافقت اللقاء في البيت الأبيض؟
وفي هذا السياق، رأى الصحافي علي بردى أن “حصول هذا اللقاء بين الرئيسين إيجابي جداً”، مؤكداً أن “الاجتماع كان جيداً للغاية، وهو يلبي إلى حد بعيد جزءاً كبيراً من المطالب اللبنانية، على الأقل بصورة متدرجة إن لم تكن بصورة كاملة وفورية”.
وأشار بردى، عبر “لبنان الكبير”، إلى أنه “هناك استعداد أميركي لرعاية لبنان ومساعدته على كل المستويات، بدءاً من مساعدة المؤسسة العسكرية على تحسين أدائها وعتادها على مختلف المستويات، لتمكينها من بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية”. ولفت إلى أنه “رأينا جزءاً من هذه الجهود في عملية تنفيذ المرحلة الأولى من المناطق النموذجية في ثلاث قرى لبنانية، وهذه مبادرة جيدة وتمثل نقطة انطلاق، وهي غير كافية لكنها مهمة. بالإضافة إلى ذلك، تتعلق الجوانب الأخرى بالتنمية الاقتصادية للبنان، وهناك، على ما يبدو، استعداد أميركي للمساعدة في مجالات عديدة من أجل إنعاش الوضع الاقتصادي والإنمائي في لبنان على مختلف المستويات، بدءاً بعقد مؤتمرات اقتصادية وتنموية للحصول على الدعم الضروري من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، لتمكين لبنان من القيام بالمهمات التي يتطلع إليها. وبالتالي، فهذا إنجاز مهم للرئيس عون، وبداية تؤكد أن الديبلوماسية والعمل السياسي يمكن أن يؤديا إلى بداية مرحلة من الاستقرار في لبنان وازدهاره، في حال المضي قدماً في تنفيذ هذه المشاريع”.
وذكر بردى أن هناك استعداداً أميركياً خاصاً للاستثمار في مجالات الطاقة والكهرباء في لبنان، بالإضافة إلى التكنولوجيا، فضلاً عن الحديث عن إمكان إعادة تسيير خطوط الطيران المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان.
أما في ما يتعلق بتصريح ترامب حول استعداده للتحدث مع “حزب الله” في حال أراد الرئيس عون ذلك، فاعتبر بردى أن هذا الكلام ليس جديداً، خصوصاً أن الحديث مع طرف لبناني عبر الدولة اللبنانية هذه المرة قد يكون إشارة إلى استعداد الولايات المتحدة لتقبل دور سياسي لـ”حزب الله” إذا قرر التخلي بصورة تامة عن جناحيه الأمني والعسكري. وأكد أن لهذه النقطة أهمية خاصة، إذ إن الولايات المتحدة، من حيث المبدأ، لا تعارض اضطلاع “حزب الله” بدور في الحياة السياسية اللبنانية، علماً أن المشكلة الرئيسية تتعلق بالأعمال الأمنية والعسكرية التي يقوم بها الحزب، كونه تنظيماً وميليشيا مسلحة خارج نطاق الدولة اللبنانية.
وشدد بردى على أن “هذه إشارة مهمة من الرئيس الأميركي في محاولة للمساعدة على تحول حزب الله بصورة كاملة نحو العمل السياسي، والتخلي عن نشاطاته العسكرية والأمنية”.


