“تلفزيون لبنان”… الشاشة الذهبية لذاكرة الوطن

زياد سامي عيتاني

كان أثيره يدخل قلوب اللبنانيين ضيفاً عزيزاً قبل منازلهم، من دون إستئذان بالأبيض والأسود، ليلون حياتهم وسهراتهم وجلساتهم العائلية بالترفيه والتثقيف والتسلية والموعظة الحسنة. إنه “تلفزيون لبنان” الذي إحتفل بذكراه أمس من دون بهجة ومظاهر إحتفالية، متحسراً على قلة الوفاء، الذي جعله يعيش وحيداً يتيماً، من جراء ما يعانيه من نسيان وإهمال، بعدما كان يملأ سهرات العائلة اللبنانية بالتسلية والافادة في آنٍ معاً، لا صخب ولا إسفاف ولا إبتذال ولا عري، لا مبالغة ولا مغالاة ولا إسراف.

في التاسع والعشرين من أيار عام 1959 بزغ فجر جديد قلب الموازين كافة رأساً على عقب، معلناً انطلاقة البث التلفزيوني لأول محطة في الشرق، سميّت آنذاك بـ”تلفزيون لبنان والمشرق”. ومن وقتها، كانت العائلة اللبنانية تجتمع في بيوتها حول جهاز التلفزيون، على الألفة والتلاقي الاجتماعي والأسري. وكانت إدارة التلفزيون تحرص على إعداد برامجه بدقة عالية لجهة إختيار المواضيع الهادفة التي تعكس واقع حال الحياة الاجتماعية، وتستمد منها الأفكار الابداعية، فضلاً عن أن الانتاج والصناعة التلفزيونية كانتا تتمتعان بجودة عالية وبحرفية متناهية، جعلت من تلك البرامج شكلاً ومضموناً قيمة فنية راقية ومتقونة، مع إحترام البعد الثقافي للقيم الأخلاقية والأدبية للمجتمع اللبناني.

لقد كان “تلفزيون لبنان” ملاذاً وبيتاً دافئاً، وأحياناً مكتشفاً ومنصة إنطلاق كبار الاعلاميين وإنتشارهم وشهرتهم، وحاضن تجاربهم ونتاجهم الاعلامي الذي سطّروا به الجزء الجميل من ذاكرة لبنان وتاريخه. فمن رحم “تلفزيون لبنان” ولد إعلاميون من طراز: عادل مالك، كميل منسى، إيلي صليبا، جان خوري، بول حتي، شارلوت وازن الخوري، عرفات حجازي، جاك واكيم، نهى الخطيب سعادة، هيفاء جارودي البابا، ماري بدين أبو سمح، سعاد قاروط العشي، رياض شرارة، جان كلود بولس، غاستون شيخاني، لبيب بطرس، نجيب حنكش، وفاء العود، جان دارك أبو زيد فياض، سونيا بيروتي، غابي لطيف، عفاف سنو جلول (ماما عفاف) وغيرهم من كبار الإعلاميين.

كل هذه الأسماء من أهل الاعلام المرئي في لبنان، ساهمت في إنتشار “تلفزيون لبنان”، عند انطلاقته، وساهم بدوره في جعلها رائدة في الفضاء الاعلامي المرئي، زمن الأبيض والأسود، ولا تزال في ذاكرة اللبنانيين، على الرغم من غيابها عن الشاشة منذ فترة طويلة، لأنها وطدت العلاقة بين المشاهد والتلفزيون، فكانت لها مكانة خاصة لديه، وكذلك تركت أثرها الطيب على الشاشة الفضية، لا سيما أنها كانت الحارسة الأمينة على لغتنا العربية الصحيحة والراقية، قبل أن يأتي اليوم ونرى فيه تراجع اللغة الصحيحة، مقابل إنتشار الركاكة والرطانة وهيمنتهما!

“تلفزيون لبنان” ساهم في تنشئة الذائقة الفنية والأدبية والفكرية والسياسية والاجتماعية لدى أجيال وأجيال على مرّ عقود من الزمن، ما جعل اللقب الأبرز الذي يطلق عليه هو “ذاكرة الوطن”.

 

شارك المقال