تراجع الأسواق المالية بسبب رسوم ترامب الجمركية… أوروبا تستعد للرد

لبنان الكبير

شهدت الأسواق المالية العالمية اليوم الاثنين تراجعًا حادًا، متأثرةً بالرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على كندا والمكسيك والصين. ويأتي ذلك وسط تصاعد المخاوف من اندلاع حرب تجارية واسعة النطاق قد تؤثر على الاقتصاد العالمي، بينما يستعد الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحه الاقتصادية.

اضطراب الأسواق المالية وضغوط المستثمرين

تسبب إعلان الرسوم الجمركية في موجة بيع واسعة في الأسواق المالية، حيث انخفضت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 في وول ستريت بأكثر من 1.7٪ قبل جرس الافتتاح، مما يعكس قلق المستثمرين بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة. كما شهدت الأسواق الآسيوية والأوروبية خسائر كبيرة؛ إذ أنهى مؤشر نيكي الياباني تداولاته على انخفاض بنسبة 3٪، بينما تراجع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 2.5٪، متأثرًا بالمخاوف من تباطؤ الطلب العالمي.

وفي أوروبا، تراجعت مؤشرات البورصة الرئيسية، حيث انخفض مؤشر داكس الألماني بنسبة 2٪، ومؤشر كاك 40 الفرنسي بنسبة 1.9٪، بينما هبط مؤشر فوتسي 100 البريطاني بنسبة 1.3٪. وأثّر هذا التراجع على الشركات الكبرى، خصوصًا شركات التصنيع والصناعات الثقيلة، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة العالمية.

تصريحات ترامب وتصاعد التوترات التجارية

قال ترامب، خلال حديثه في واشنطن الأحد، إنه يعتبر الرسوم الجمركية “خطوة ضرورية” لحماية الاقتصاد الأميركي من “الممارسات التجارية غير العادلة”، مضيفًا أن “الولايات المتحدة تعرضت للخداع من قبل معظم دول العالم، وحان الوقت لتصحيح ذلك.”

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي سيكون الهدف التالي في إجراءاته الاقتصادية، حيث قال: “إنهم لا يشترون سياراتنا ومنتجات مزارعنا، بينما نأخذ منهم كل شيء تقريبًا. هذا ليس عدلًا.”

استعداد أوروبي للرد والموقف الألماني والفرنسي

ردًّا على تهديدات ترامب، اجتمع زعماء الاتحاد الأوروبي في قمة غير رسمية ببروكسل، حيث أكدوا أنهم مستعدون لاتخاذ إجراءات مضادة إذا فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية جديدة.

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن أوروبا يجب أن “تحترم نفسها” وأن ترد بحزم إذا تعرضت مصالحها الاقتصادية لهجوم، بينما شدد المستشار الألماني أولاف شولتز على ضرورة الحفاظ على العلاقات التجارية المتوازنة مع الولايات المتحدة، لكنه لم يستبعد اتخاذ إجراءات مضادة تشمل فرض تعريفات على المنتجات الأميركية، مثل السيارات ومنتجات التكنولوجيا.

بدورها، حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن الخطوات الأميركية قد تؤدي إلى “انهيار النظام التجاري العالمي”، مؤكدةً أن “الاتحاد الأوروبي لن يقف مكتوف الأيدي وسيتخذ إجراءات متناسبة.”

التداعيات الاقتصادية العالمية

يرى خبراء اقتصاديون أن تطبيق الرسوم الجمركية الجديدة سيؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، خصوصًا في الاقتصادات المعتمدة على التصدير مثل الصين وألمانيا وكندا.

وفقًا لمحللي دويتشه بنك، فإن فرض تعريفات جمركية بنسبة 10٪ على الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي بنسبة 0.5٪، بينما قد تواجه كندا والمكسيك خطر الدخول في ركود اقتصادي بسبب الانخفاض المتوقع في صادراتهما إلى الولايات المتحدة.

من جهته، أشار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى أن هذه السياسات قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار داخل الولايات المتحدة، مما يزيد الضغوط التضخمية على المستهلكين الأميركيين. كما حذّر محللون في بنك جي بي مورغان من أن هذا التصعيد قد يدفع الشركات الأميركية إلى تقليل استثماراتها وتقليص الوظائف، مما قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد.

إعلان حالة الطوارئ الوطنية وتأثيرها على الأزمة

قال البيت الأبيض إن هذه الإجراءات تأتي في إطار “حالة الطوارئ الوطنية” التي أعلنها ترامب لمواجهة أزمة الفنتانيل والهجرة غير الشرعية.

وأشار تقرير رسمي إلى أن الفنتانيل، وهو مادة أفيونية قاتلة، تسبب في وفاة أكثر من 100,000 شخص سنويًا في الولايات المتحدة، محملًا الصين والمكسيك مسؤولية تدفق هذه المادة إلى الأسواق الأميركية. وردّت الصين على هذه الادعاءات بقولها إن أزمة الفنتانيل “مشكلة أميركية داخلية”، متعهدةً بالطعن في الرسوم الجمركية أمام منظمة التجارة العالمية واتخاذ تدابير انتقامية.

المكسيك وكندا تتحركان ضد الإجراءات الأميركية

أعلنت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم أنها ستكشف عن تفاصيل الرسوم الجمركية الانتقامية التي ستفرضها بلادها على المنتجات الأميركية، مشيرةً إلى أن المكسيك لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه القرارات.

أما كندا، فقد صرّحت وزيرة التجارة الكندية ماري نغ بأن بلادها ستقدم شكوى رسمية إلى منظمة التجارة العالمية، مؤكدةً أن “الولايات المتحدة تتخذ إجراءات غير قانونية تهدد الاقتصاد الكندي”.

ضربة لصناعة السيارات وتأثيرات على الشركات العالمية

تعد صناعة السيارات من أبرز القطاعات المتضررة من الرسوم الجمركية الجديدة، حيث تعتمد سلاسل التوريد في أميركا الشمالية على تدفق المكونات بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة.

وأدى ذلك إلى تراجع أسهم شركات السيارات الأوروبية، حيث هبطت أسهم فولكس فاغن، وبي إم دبليو، وبورشه، وستيلانتس بنسبة تتراوح بين 5-6٪ في تعاملات الاثنين.

كما قدّر محللون في بنك الاستثمار ستيفل أن 8 مليارات يورو من إيرادات فولكس فاغن و16 مليار يورو من إيرادات ستيلانتيس قد تتأثر بسبب التعريفات الجمركية الجديدة.

مستقبل العلاقات التجارية بين واشنطن والعالم

في ظل التصعيد الحالي، يرى مراقبون أن العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها باتت على المحك. فبينما يسعى ترامب إلى فرض سياساته الاقتصادية الحمائية، تجد الدول الأخرى نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات دفاعية لحماية اقتصاداتها.

في هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي مارك زاندي من موديز أناليتيكس: “إذا استمرت الولايات المتحدة في التصعيد التجاري، فقد نشهد تحولًا كبيرًا في أنماط التجارة العالمية، حيث تبحث الدول عن بدائل جديدة بعيدًا عن واشنطن.”

ومع دخول الرسوم الجمركية الجديدة حيز التنفيذ الثلاثاء، ستكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وبقية العالم.

شارك المقال