في تصعيد غير مسبوق منذ سنوات، دخلت العلاقات بين الجارتين النوويتين، الهند وباكستان، مرحلة من التوتر الحاد، بعد الهجوم الدموي الذي استهدف سياحاً في منطقة باهالغام بإقليم جامو وكشمير، وأودى بحياة 26 شخصاً، معظمهم من المدنيين. وقد تبادل البلدان الاتهامات بدعم “الإرهاب العابر للحدود”، وبدأ كل منهما باتخاذ إجراءات دبلوماسية واقتصادية ضد الآخر، وسط قلق دولي متزايد من انزلاق النزاع نحو مواجهة أوسع بين بلدين يمتلكان السلاح النووي.
الإجراءات الباكستانية: طرد دبلوماسيين وإغلاق الحدود
أعلنت الحكومة الباكستانية، اليوم الخميس، عن سلسلة من الخطوات التصعيدية، وجاء في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء شهباز شريف بعد اجتماع للجنة الأمن القومي:
“تعلن باكستان مستشاري الدفاع البحري والجوي الهنود في إسلام آباد أشخاصاً غير مرغوب فيهم، ويُطلب منهم مغادرة باكستان على الفور.”
كما شملت الإجراءات الباكستانية:
إلغاء كافة التأشيرات الممنوحة للمواطنين الهنود، باستثناء الحجاج السيخ.
إغلاق الحدود البرية مع الهند.
وقف التبادل التجاري بين البلدين.
إغلاق المجال الجوي أمام جميع شركات الطيران التي تملكها أو تديرها الهند.
الرد الهندي: تعليق تأشيرات وتقليص العلاقات
من جانبها، ردت وزارة الخارجية الهندية بإعلانها إلغاء جميع التأشيرات الصادرة للمواطنين الباكستانيين، وذلك ابتداءً من الأحد المقبل. ويأتي ذلك في أعقاب الهجوم الذي وقع يوم الثلاثاء، ووصفته السلطات بأنه أعنف هجوم إرهابي يستهدف مدنيين في كشمير منذ عقود.
كما أعلنت الهند اتخاذ إجراءات إضافية شملت:
تعليق العمل بمعاهدة تقاسم المياه الرئيسية بين البلدين.
إغلاق المعبر الحدودي البري الرئيسي.
خفض عدد الدبلوماسيين الباكستانيين في نيودلهي.
مودي يتوعد: “سنطاردهم إلى أقاصي الأرض”
وفي خطاب ناري أمام حشد جماهيري في ولاية بيهار، قال رئيس الوزراء ناريندرا مودي:
“أياً كان من نفذ الهجوم ومَن خطط له، سيدفع ثمناً يفوق تصوراته. ستلاحقهم الهند وتقتص منهم. إن إرادة 1.4 مليار هندي ستكسر شوكة هؤلاء الإرهابيين.”
وأنهى مودي خطابه برسالة موجهة إلى العالم باللغة الإنجليزية قائلاً:
“لن يفلت الإرهاب من العقاب. سنبذل كل جهد لتحقيق العدالة.”
وقطع مودي زيارته الرسمية إلى السعودية ليعود إلى نيودلهي فور وقوع الهجوم، كما عادت وزيرة المالية نيرمالا سيتارامن من جولتها في الولايات المتحدة وبيرو تضامناً مع الضحايا.
تفاصيل الهجوم: السياحة في قلب العاصفة
وقع الهجوم في منطقة باهالغام، وهي مقصد سياحي شهير في إقليم كشمير الجبلي، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة انتعاشاً في السياحة بعد تراجع نسبي في أعمال العنف.
وذكرت الشرطة أن المهاجمين فتحوا النار على حافلة تقل سياحاً في مرج خارج الطريق، ما أدى إلى مقتل 25 مواطناً هندياً ومواطن نيبالي.
وقد تبنّت جماعة غير معروفة تُدعى “مقاومة كشمير” المسؤولية عن الهجوم، في بيان نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعربت فيه عن رفضها لما سمّته “تغييراً في التركيبة السكانية للمنطقة”، نتيجة توطين عشرات الآلاف من “الأجانب” في كشمير، بعد أن ألغت الهند الوضع الخاص للإقليم في 2019.
إضرابات وإغلاق كامل في كشمير وجامو
شهدت مدن سريناغار وجامو إغلاقاً كاملاً، احتجاجاً على الهجوم الذي وصفته صحيفة “ذا إنديان إكسبريس” بـ”الوحشي”.
وشاركت أكثر من 10 منظمات محلية، بينها غرفة التجارة والصناعة في كشمير واتحاد التجار والمصنعين، في الدعوة إلى الإضراب العام.
كما تم تعليق الدراسة في العديد من المدارس، وأُغلقت المتاجر ومحطات الوقود، في حين كثّفت شركات الطيران رحلاتها لنقل السياح من المنطقة.
قلق دولي ومخاوف من تصعيد نووي
الهند وباكستان، قوتان نوويتان خاضتا ثلاث حروب كبرى منذ استقلالهما في عام 1947، اثنتان منها بسبب إقليم كشمير المتنازع عليه. ويخشى المجتمع الدولي من أن يؤدي هذا التصعيد الأخير إلى مواجهة مسلحة جديدة، خصوصاً في ظل امتلاك البلدين ترسانة نووية يمكن أن تحول أي نزاع إلى كارثة إقليمية أو عالمية.
يذكر أن كشمير تخضع منذ عام 1989 لتمرد مسلح تطالب فيه فصائل محلية بالاستقلال أو الانضمام إلى باكستان. وقد أدت أعمال العنف المستمرة في الإقليم إلى مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، رغم فترات من التهدئة النسبية.


