ترامب يهدد بتصعيد جديد مع إيران ويخاطر بتكرار أخطاء الماضي

لبنان الكبير

كثف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الغارات الجوية على إيران وهدد بتصعيد أوسع نطاقا، لكن لا توجد مؤشرات تذكر على أن الاستراتيجية العسكرية التي فشلت بالفعل في انتزاع تنازلات من طهران ستنجح هذه المرة.

ومع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي تسنى التوصل إليه قبل شهر، يجد ترامب نفسه في مأزق وهو يسعى إلى كسر سيطرة إيران على مضيق هرمز الحيوي وإخضاع طهران التي ترفع راية التحدي لإرادته.

وعلى الرغم أن الجانبين تجنبا حتى الآن العودة إلى صراع شامل، فقد أضعفت التطورات التي تزداد خطورة الآمال في إيجاد مخرج قريب من هذه الأزمة التي أدت مرة أخرى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية وأحدثت صدمات في الأسواق المالية.

واستمرت موجة الهجمات المتبادلة اليوم الخميس لليوم السادس على التوالي، في حين أشارت إيران إلى أنها قد تحث حلفاءها الحوثيين في اليمن على إغلاق مضيق آخر مهم لشحن النفط، وهو مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، إذا ما ضربت واشنطن البنية التحتية للطاقة في إيران كما هدد ترامب.

وفي إشارة إلى تزايد الإحباط، ناقش ترامب مع مساعديه، وتحدث في بعض الحالات علنا، عن احتمال توسيع نطاق الأهداف لتشمل ضربات على محطات الكهرباء والجسور وإرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة خرج، وهي مركز إيراني لتصدير النفط، وقصف موقع عميق تحت الأرض مرتبط بالبرنامج النووي يعرف باسم «جبل الفأس».

وقد تكون بعض هذه الخيارات غير واقعية بسبب المخاطر العالية واحتمال حدوث ردود فعل سلبية على الصعيدين الداخلي والجيوسياسي. وكان ترامب أطلق تهديدات مماثلة من قبل، قبل أن يتراجع عنها لاحقا.

لكن معظم المحللين يتفقون على أن أي تصعيد أميركي كبير – باستثناء غزو بري شديد الخطورة وغير مقبول سياسيا لإسقاط الحكومة الإيرانية – لن يكون أكثر فاعلية على نحو يذكر في إجبار إيران على تغيير مسارها عن المراحل السابقة من الحرب المستمرة منذ ما يقرب من أربعة أشهر ونصف الشهر، والتي أدت فيها الضربات الأميركية والإسرائيلية إلى مقتل قادة كبار وإلحاق أضرار جسيمة بقدرات طهران العسكرية.

وقال جوناثان بانيكوف، وهو ضابط مخابرات أميركي سابق مسؤول عن شؤون الشرق الأوسط ويعمل حاليا في مركز أبحاث مجلس الأطلسي: «لا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذه السلسلة الأخيرة من الهجمات، أو أيا كان ما يدور في ذهن الرئيس، ستجبر الإيرانيين على تغيير طريقة تفكيرهم». وأضاف: «ربما يكون من المرجح أكثر أن تؤدي إلى تشديد موقفهم».

وقال مسؤول كبير في إدارة ترامب، ردا على أسئلة من رويترز، إن الرئيس يفضل الدبلوماسية لكن «اللغة الوحيدة التي تفهمها إيران هي القوة العسكرية»، وإن الولايات المتحدة ستواصل محاسبتها على «الأعمال الإرهابية» في المضيق.

انهيار الاتفاق المؤقت

يأتي انهيار الاتفاق في الوقت الذي يواجه فيه ترامب ضغوطا لإنهاء حرب أودت بحياة الآلاف، معظمهم في إيران ولبنان، وألحقت أضرارا اقتصادية بالداخل وأدت إلى انخفاض شعبيته قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني.

وتوقفت المفاوضات التي تهدف إلى تحويل الاتفاق المؤقت إلى اتفاق دائم، غير أنه توجد إشارات على تحركات دبلوماسية خلف الكواليس. ورحب ترامب بما وصفه بالإفراج عن مواطنة أميركية محتجزة في إيران، واصفا ذلك بأنه بادرة حسن نية. لكن وسائل إعلام حكومية نقلت عن السلطة القضائية الإيرانية نفيها الإفراج عن أي سجناء أو مبادلتهم.

وربما يأمل ترامب في أن يتمكن من إجبار إيران، عن طريق القصف، على العودة إلى التفاوض على برنامجها النووي، الذي قال إنه السبب الرئيسي الذي دفعه لشن الحرب. لكن السبب الأساسي للأعمال القتالية الأخيرة يكمن في التفسيرات المتباينة لما يعنيه الاتفاق الأولي بالنسبة للسيطرة على المضيق، حيث أظهرت إيران خلال الحرب قدرتها على تعطيل خمس شحنات النفط العالمية.

وترى إيران أن لها دورا في إدارة الممر المائي، بل وربما فرض رسوم على العبور، في حين تصر الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج على العودة إلى المرور الحر والآمن دون قيد أو شرط. ولا يرى معظم الخبراء ما يشير إلى أن طهران ستقدم التنازلات التي يسعى إليها ترامب.

ودفع استئناف طهران هجماتها على السفن التجارية في الأيام القليلة الماضية الولايات المتحدة للرد بإجراءات شملت معاودة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية.

ووصف البيت الأبيض اليوم الهجمات الإيرانية بأنها انتهاك للاتفاق المؤقت. وتواجه طهران أيضا ضغوطا اقتصادية متصاعدة بعد أن ألغت واشنطن الإعفاء الذي كان يسمح لها ببيع النفط دوليا، ما محا أحد مكاسبها من الاتفاق المؤقت.

وقال ثلاثة مسؤولين أميركيين لرويترز إن موجة الضربات الأميركية قد تكون «عمليات تشكيلية»، تمنح ترامب المزيد من الخيارات من خلال استهداف القدرات العسكرية الإيرانية التي ترغب الولايات المتحدة في تدميرها قبل اتخاذ خطوات أكبر.

وردت إيران بالإشارة إلى استعدادها لتوسيع نطاق الحرب، محذرة من أنها قد تضرب المنشآت المدنية لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج إذا زاد ترامب من تصعيد الموقف. وتملك إيران ترسانات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ممر البحر الأحمر مهدد

أبلغت ثلاثة مصادر رويترز اليوم بأن طهران طلبت من الحوثيين في اليمن الاستعداد لإغلاق ممر النفط في البحر الأحمر إذا ما ضربت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة الإيرانية، ما يشكل تهديدا جديدا قويا لإمدادات الطاقة العالمية، لا سيما في ظل تحويل مسار بعض الشحنات إلى البحر الأحمر.

لكن مارك دوبويتز رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة فكرية مناهضة لإيران في واشنطن، كتب على إكس أن طهران «تلعب بورقة هرمز بعد أن استبد بها اليأس» وأن مثل هذه التحركات ستسرع الجهود العالمية لبناء خطوط أنابيب وممرات شحن جديدة لتقويض «قدرتها على ابتزاز العالم».

وأشار محللون إلى أن ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية لولايته الثانية على أساس وعود بتجنب التدخلات الخارجية والتركيز على الشواغل الاقتصادية للأميركيين، قد يكرر بعض الأخطاء التي ارتكبها عندما شن الحرب في 28 شباط.

وخاض الرئيس الأميركي الحرب دون تقديم تفسير كاف لأسبابه أو استراتيجية خروج واضحة. لكن المسؤول الكبير في الإدارة الأميركية رد على ذلك، مؤكدا أن الضغط العسكري والاقتصادي الأميركي هو الذي دفع إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات لبحث مذكرة التفاهم، التي انهارت تقريبا مع تجدد الأعمال القتالية.

وقال داني سيترينوفيتش، الباحث الكبير في الشؤون الإيرانية بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والضابط السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية على منصة إكس: «بغض النظر عن مقدار الضغط الذي تمارسه الإدارة، أو عدد التهديدات الجديدة التي تصدرها، فمن غير المرجح أن تستسلم القيادة الإيرانية».

وكتب يقول: «إذا واصل الرئيس ترامب توسيع نطاق الأهداف، فمن المرجح أن ترد طهران بالمثل».

شارك المقال