أثار اغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله الأمين اللبناني على يد إسرائيل، موجة عارمة من ردود الأفعال المتباينة في الشارع السوري، عكست عمق الشرخ بين مواقف السوريين تجاه الحزب وتاريخه في الصراع السوري. فبينما عبّر البعض عن فرحهم بمقتله، كان آخرون في حالة حزن شديد، وسط مواقف حيادية لبعض الأطراف التي رفضت إظهار أي تعاطف أو شماتة.
الأصوات التي عبّرت عن فرحها بمقتل “نصر الله” جاءت من شريحتين رئيسيتين، الأولى هي التي نظرت إلى الأمر من منظور طائفي باعتباره من “الطائفة الشيعية”. أما الشريحة الأكبر، فكانت ممن يرون في “نصر الله” وحزبه أحد أبرز أسباب مآسي السوريين، حيث دعم حزب الله النظام السوري منذ العام الثاني من عمر الأحداث في البلاد. ولعب الحزب دوراً كبيراً في المعارك، خاصة في المحافظات الجنوبية، وشارك في تهجير مئات الآلاف من السوريين، ودعم قوات النظام بالعديد من المقاتلين، مما جعل السوريين ينظرون إليه كجزء أساسي من آلة القمع التي ساهمت في تدمير مدنهم وتهجيرهم.
في المقابل، اختار بعض السوريين الوقوف على الحياد، حيث لم يعبّروا عن فرح أو حزن بمقتل “نصر الله”. هؤلاء السوريون يرون أن بالرغم من الدور الذي لعبه الحزب في سوريا، إلا أن اغتياله تم على يد إسرائيل، التي اعتبروها العدو المشترك والتي لم ولن تكون صديقة للشعب السوري وراعية لمصالحه ومدافعة عن حقوقه.
واعتبر هؤلاء أن إسرائيل هي المسؤولة عن العديد من المجازر التي ارتكبت في فلسطين ولبنان وسوريا. لذلك، فإن قتل “نصر الله” على يد إسرائيل ليس بالضرورة أمراً يجب الاحتفاء به، رغم موقفهم السلبي تجاه الحزب.
في مناطق سيطرة النظام السوري، كان الوضع مختلفاً تماماً. الحزن الشديد على مقتل “نصر الله” كان سيد الموقف، حيث اعتبره البعض أحد أبرز دعائم المقاومة ضد إسرائيل والدفاع عن القضية الفلسطينية. وبالنسبة لهؤلاء، كان “نصر الله” يمثل السد المنيع أمام توسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
كما رأى الكثير من موالي النظام أن “حزب الله” كان عاملاً حاسماً في دعم قوات النظام في محاربة الجماعات التي يصفونها بـ”الإرهابية”، مثل تنظيم “الدولة الإسلامية” و”هيئة تحرير الشام”، إلى جانب الفصائل المعارضة السورية. ومع ذلك، هناك من أعرب عن تحفظه حتى داخل هذه الأوساط، حيث يرى البعض أن سوريا يجب أن تبقى بعيدة عن صراعات جديدة، خاصة مع إسرائيل، لأن البلاد منهكة بالفعل بعد سنوات الحرب.
وعلى ضوء التصعيد الإسرائيلي في لبنان، بدأت تظهر مخاوف من موجات نزوح جديدة إلى سوريا. إلا أن البعض في مناطق سيطرة النظام أبدوا تحفظهم على فكرة استقبال نازحين من لبنان، رغم دعوات من بعض الأعضاء في “حزب البعث”. إذ أن الأزمة الاقتصادية الخانقة وغلاء الأسعار جعلت الكثيرين يرون أن سوريا غير قادرة على استيعاب أعباء إضافية في ظل وضعها الحالي.
من جهته، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، هذا الانقسام الواضح في الشارع السوري. فمناطق سيطرة النظام، شهدت حالة واسعة من الحزن والحداد الرسمي والشعبي عقب اغتيال إسرائيل لحسن نصر الله، حيث، أعلنت العديد من القبائل والعشائر الموالية للحزب في مناطق مثل حلب وريف دير الزور وريف الرقة الحداد على مقتل “نصر الله”.
كما أعرب العديد من السوريين في مناطق جنوب دمشق ومناطق أخرى عن حزنهم العميق على اغتياله، مطالبين بالرد الحاسم على إسرائيل.
وأكد البعض أن مقتله يُعتبر ضربة قاسية لمحور المقاومة.
بينما في مناطق سيطرة المعارضة، الخاضعة لسيطرة “هيئة تحرير الشام” والفصائل الموالية لتركيا، خرج الكثير إلى الشوارع لإقامة الاحتفالات ابتهاجاً باغتياله منذ الدقائق الأولى من إعلان ذلك رسمياً، وشهدت معظم المدن والبلدات الرئيسية إطلاق نار كثيف في الهواء استمر لساعات،
ووزع البعض الحلويات في الشوارع على المارة فرحاً، في حين عبر الكثير عبر مواقع التواصل الإجتماعي عن فرحهم وشماتتهم بطريقة ساخرة
وذهب البعض حتى لتوجيه رسائل شكر لإسرائيل.
واستطلع المرصد السوري لحقوق الإنسان، آراء شرائح مختلفة من السوريين من العامة والمثقفين، إضافة إلى العاملين مع قوات النظام، و”الجيش الوطني” الموالي لتركيا، و”هيئة تحرير الشام” و”الإدارة الذاتية”، برزت مواقف متباينة.
أشار بعض المشاركين في الاستطلاع إلى أن تدخل “حزب الله” في المعارك داخل الأراضي السورية لم يكن بهدف محاربة الإرهاب كما يدعي البعض، ولا دعماً للنظام بشكل مطلق، بل لأسباب أخرى مرتبطة بمصالح استراتيجية للحزب وإيران. هؤلاء يعتقدون أن الهدف الأساسي كان الحفاظ على ما يُعرف بـ”خط طهران” وهو المحور الجغرافي الذي يمتد من إيران عبر العراق إلى سوريا ولبنان، والذي يُعتبر ذا أهمية استراتيجية بالغة لإيران لفتح جسر إمداد ودعم لحلفائها في المنطقة، وخاصة “حزب الله” اللبناني.
وعن مشاعرهم تجاه هذا التدخل، أكد البعض أنهم “لا يشمتون ولا يحزنون”، معتبرين أن التدخل الإيراني ليس نابعاً من مصلحة لسوريا، بل هو محاولة لتعزيز نفوذ إيران في المنطقة.
فما بين مظاهر الفرح والحزن والحياد، كشف اغتيال حسن نصر الله مدى عمق الانقسام في سوريا، وعكس مرة أخرى كيف أن الحرب السورية لم
تترك مجالاً لأي موقف موحد تجاه أي قضية، بل زادت من الشرخ بين مختلف الأطراف، سواء على أساس طائفي أو سياسي، في ظل تعقيدات المشهد السوري.


