"ميّاس"... جرعة ضد اليأس

مانشيت 16 أيلول , 2022 - 12:05 ص

 

من ينظر الى الشعب اللبناني والى مسؤوليه لا يتردد في القول ان الفرق شاسع بعد السماء عن الأرض. ومن يستمع الى ارتكابات السلطة من مخططات جهنمية لتدمير البلد بمن فيه، لا يصدق أن شاباته وشبابه يتألقون في العالم على المستويات كافة. ولمَ لا؟ أليسوا كطائر الفينيق الذي يقوم من تحت الرماد وينفض عنه غبار الذل والجوع والدمار ليحلق بجناحيه الى أعلى الاعالي والى فضاء الكون الواسع كفرقة "مياس" التي وضعت بلدها في المكان الذي يليق به، والذي اعتاد عليه على مر التاريخ.

فرقة "مياس" نقلت اللبنانيين الى عالم جميل يرغبون بأن يعيشوا فيه، لكن سرعان ما عادوا الى واقعهم المرير مع سلطة تعجز عن تأليف حكومة أو عن انتخاب رئيس للجمهورية أو عن وضع أي خطة انقاذية اصلاحية ربما لأنها تريد تحويل لؤلؤة الشرق الى جمهورية موز، وهي تتباهى بآخر انجازاتها في مناقشة الموازنة التي انتقدتها الكتل النيابية لأنها لا تحاكي واقع الانهيار وأوضاع الناس المعيشية.

وفي هذا الاطار، لفت أحد الخبراء الاقتصاديين الى أن الدولة تريد من خلال الموازنة أن تستجيب لمتطلبات صندوق النقد الدولي في موضوع الدولار الجمركي الذي من المتوقع أن يكون بين 12 و14 ألفاً، أي سيضاعف الاسعار في المواد الاستهلاكية أكثر مما هو متوقع، وهذا سينعكس على الواقع الحياتي للناس، لكنها تخلو من أي تقديمات اجتماعية ومعيشية ما يعني أنها وُضعت ارضاء للبنك الدولي من خلال تحسين دخل الدولة لتغطية المصاريف من دون أي اعتبار لانعكاساتها وتداعياتها على الشعب في ظل انهيار الليرة بصورة سريعة. وهنا نسأل: هل الدولة تعمل من خلال الموازنة على زيادة التحلل أكثر وأكثر بانتظار حدث ما على المستوى الاقليمي أو الدولي يمكن أن ينتشلها؟ القوى السياسية اليوم لا تقوم بأي خطوة اصلاحية انما تركز اهتمامها على امكان انتاج الغاز وكأنه المنقذ من الأزمة على اعتبار أن الشعب يمكنه التحمل بعد لفترة تحت هذه الضغوط المعيشية الهائلة. انها حسابات خاطئة غير رؤيوية ستقودنا الى انفجارات أو الى فوضى اجتماعية وأمنية، نرى بوادرها كل يوم. المواطن البسيط يسأل: لماذا هذه الموازنة؟ وما هي أهدافها؟ في دول العالم التي لا تعاني من أزمة، تقدم الموازنة الاصلاحات الاجتماعية، ونحن نمر بثالث أكبر أزمة اقتصادية عالمية منذ 150 سنة، والدولة نفضت يديها من معيشة الناس، ومن تنفيذ العقد الاجتماعي وتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. اليوم نحن شعب متروك للقدر، بلا سلطة أو قوى سياسية فعلية تعمل لمصلحة الناس. اذا كانت السلطة جدية في وضع البلد على الطريق الصحيح، فلتذهب الى تشكيل حكومة وانتخاب رئيس للجمهورية وتضع خطة انقاذية حقيقية. لا بد من التأكيد هنا أن الشعب سيصل الى مرحلة لن يبقى مقيداً لا بالعصبيات المذهبية ولا بالعصبيات الفئوية والحزبية أو بحقوق المسيحيين أو حقوق المسلمين، وسينفجر، وحينها سيكون البكاء وصرير الأسنان خصوصاً أن خطر الجوع يهدد كل الناس الذين يعيشون ليس كل يوم بيومه انما كل لحظة بلحظة. على الرغم من ذلك، من المتوقع أن تتفق السلطة على إقرار الموازنة بغض النظر عن الخطابات والشعارات الرنانة حول حاجات الناس. المطلوب اليوم، وضع خطة انقاذية حقيقية اصلاحية مالية، ودرس هيكلة المصارف، وسياسة مصرف لبنان، ووقف انهيار الليرة، والتقديمات الاجتماعية التي تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار والسلم الاهلي، والكشف عن شروط البنك الدولي، وكيفية تفعيل القطاعات الانتاجية. الاقتصاد ليس شعارات، وهم يتعاملون مع الموازنة كأنها أرقام مالية بحتة ولا علاقة لها بالناس وبالمجتمع وبالوطن. الموازنة على تماس مباشر مع السلم والاستقرار الاجتماعي. لذلك، نستنتج أن لا تغيير في المنهجية ولا في الادارة ولا في المحاسبة. والمضحك المبكي أنه خلال جلسة مجلس النواب هناك نواب يتفاجأون بالأرقام أو بحالة الدولة المالية والاقتصادية وكأنهم يعيشون في بلد آخر وأتوا منذ أيام الى لبنان. الموازنة هي صورة الاقتصاد اللبناني المهترئ. انها مجرد أوراق فارغة. نحن نريد موازنة تساعد في نهوض البلد والاقتصاد وليس مجرد ترسيم الخطوط الحالية للحالة اللبنانية. لا رؤية ولا اصلاحات ولا أي مبادرة لتحسين الظروف المعيشية للمواطن. انها موازنة ذر الرماد في العيون، وليس صحيحاً أنها تتطابق مع متطلبات صندوق النقد الدولي الذي يطلب موازنة حقيقية تدخل ضمن اطار خطة شاملة للنهوض بالوضع اللبناني وليس مجرد موازنة مكتوبة على ورق .

وتزامناً مع انعقاد جلسة مجلس النواب لمناقشة الموازنة، سُجلت سلسلة من المواقف والتحرّكات الاحتجاجية في محيط المجلس رفضاً لاقرار الموازنة، ضمت متقاعدي القوى المسلحة والمودعين والاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين.

وعلى صعيد الاستحقاق الرئاسي، لا جديد ولا تقدم يوحي بأن هناك رئيساً جديداً في المرحلة الدستورية قبل نهاية ولاية العهد الحالي، الا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري قال في رده على سؤال النائبة بولا يعقوبيان حول تحديد موعد لجلسة انتخاب رئيس للجمهورية: "هذه صلاحيتي وانا أقدّر، عندما يكون هناك شيء من التوافق سوف أدعو الى جلسة. المغامرة أن ندخل الى المجلس وألا يكون هناك توافق ويكون هناك تفرق. التروي مطلوب في هذا الموضوع. نريد شيئاً من التوافق عندها سوف تجدونني أحدد جلسة فوراً".

أما على خط الاستحقاق الحكومي، فاستقبل رئيس الجمهورية ميشال عون امس، الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في لقاء دام نصف ساعة، وغادر الأخير من دون الإدلاء بأي تصريح، مكتفياً بالقول: "هالمرة قعدنا نص ساعة، مشوار الجايي رح اجي وضلني قاعد حتى تشكيل الحكومة، وما رح روح، رح نام هون". ولما سئل عن الموعد المقبل، أجاب: "بعد عودتي من السفر". وتحدثت المعلومات عن أن لقاء الرئيسين كان محوره الأساس، استئذان ميقاتي من عون للسفر إلى بريطانيا والمشاركة في مراسم دفن الملكة اليزابيت، كما تطرق البحث الى آخر المعطيات المتعلقة بملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية ومهمة الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، والى اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة وكلمة لبنان التي سيلقيها ميقاتي كرئيس للوفد اللبناني. وجرى عرض لموضوع تشكيل الحكومة والتطورات في هذا الشأن والاتصالات الجارية للاسراع في عملية التأليف.

وفيما ينتظر اللبنانيون حصول أي خرق في الجمود السياسي الذي تنعكس تداعياته السلبية على القطاعات كافة، ويتعلقون اليوم بحبلين: حبل الاستحقاق الحكومي وحبل الاستحقاق الرئاسي، تحدث المحللون عن فرضيات عدة حول ما قاله ميقاتي، ومنها: اما أن المعنيين بملف التشكيل يتعرضون لضغوط كبيرة داخلية وخارجية أو أنهم تحسسوا خطورة المرحلة المقبلة بعد المعلومات التي وصلتهم عن ضرورة التشكيل لتفادي السقوط في المحظور، أو أنهم استفاقوا فجأة وأدركوا مسؤولياتهم الوطنية أو أنهم يستمرون في اللعب على حافة الهاوية حتى النهاية، لكن عند الوصول الى الهاوية لا يمكن الاستمرار في اللعب والمخاطرة، وبالتالي، ستولد الحكومة قبل أيام من نهاية عمر العهد الحالي.

أما السياسيون، فلهم أيضاً آراؤهم المتناقضة، فمنهم من اعتبر أن هذا الحديث يأتي ضمن سلسلة تقاذف كرة النار بين لاعبي الجبهة الواحدة والهاء الناس وتبييض صفحتهم. وليس المهم ان كان هناك ضغوط دولية أو اقليمية بل عليهم أن يشعروا بالضغط الوحيد اليوم الذي هو ضغط المواطن والضغط المعيشي اليومي والقطاعات التي تنهار. انها رسالة من ميقاتي الى الجميع بأنه ليس هو المعرقل وانه سيقوم بكل ما أمكن للتشكيل وان نيته صادقة ورغبته حقيقية. فيما رأى البعض الآخر أن كلام ميقاتي فيه نوع من التفاؤل، وربما أصبحت لديه أخبار جيدة في ما يتعلق بالتشكيل. وبمعزل عن ارادة الدول الخارجية، يبقى الاستحقاق الحكومي مطلباً لبنانياً قبل كل شيء، وواجباً دستورياً وليس مسألة مرتبطة بمشيئة رئيس جمهورية أو رئيس حكومة مكلف. ويبقى التأكيد أنه لا يمكن التعويل على الاحساس بالمسؤولية لأن من يحس بالمسؤولية يتفادى السلبيات ويقوم بكل واجباته على أكمل وجه وسط التساؤل: لماذا لم نسمع هذا الكلام منذ 3 أشهر؟ وفي حال التشكيل، هل ستكون الحكومة المقبلة عبارة عن المنظومة نفسها من دون أي خطط انقاذية؟ ما هي التسوية المقبلة؟ ليس المهم أن ينام الرئيس ميقاتي في القصر الى حين التشكيل، انما المهم شكل الحكومة وممن تتألف وما هي خطتها.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us