فيما كان لبنان يلملم أطفاله من قارعة “جهنم”، كان حظه البشع أن يشهد مساء واقعة جديدة لمنطق “الصرماية” الذي حكمه منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بطلها “حكواتي” الممانعة وئام وهاب ما يمكن تفسيره بـ”ضيق خلق” هذا المعسكر إذ أدرك أنه غير قادر على تصريف “فائض قوة السلاح” رغماً عن الأصول الديموقراطية.
إذاً، انفجر التشنج السائد في البلاد ضمن حلقة “صار الوقت”، بعدما استخدم الوزير السابق وئام وهاب لغة “الصرامي” كالعادة، أتاه الرد من الزميل الصحافي سيمون أبو فاضل: “انت حر بعلاقتك انت وصرمايتك”، ليرميه وهاب بكأس المياه ودافع أبو فاضل عن نفسه بصفعة وجهها لوهاب، لينتقل المشهد الى اعتداء من مرافقي وهاب على أبو فاضل، ويتدخل أيضاً حاضرون في التضارب، فيما كان الاعلامي مارسيل غانم يحاول ابعاد المتضاربين عن بعضهم البعض بمساندة حرس قناة MTV.
أقله هذا المشهد الذي تابعه اللبنانيون، وكان واضحاً أن وهاب لم يتحمل أن يتم الرد عليه فلجأ الى خيار رشق كوب المياه في وجه الزميل سيمون الذي حرص طوال الحلقة على قول رأيه ونقل معطياته، وكان وهاب يرد عليها بالسخرية.
المشهد يمثل بصورة واضحة حالة التشنج بين اللبنانيين، لكنها في الوقت نفسه محاولة جديدة لاعتماد لغة الترهيب والاعتداء لاسكات زميل تمت استضافته ليعبّر عن رأيه.
عودة الى جهنم التي وعدهم بها رئيس العهد القوي السابق، وهم يكملون طريقهم انحداراً في طبقاتها، وقد وصلوا في اليومين الأخيرين إلى طبقة تسببت بصدمة مرعبة عن واقعهم، بحيث بات الأطفال حديثو الولادة يرمون في القمامة وتحت الجسور. فبعد صدمة أول من أمس، بالعثور على طفلة في طرابلس يجرها كلب من القمامة، عثر أمس على طفلين حديثي الولادة تحت جسر نهر ابراهيم موضوعين في كرتونة، ونقلا الى مستشفى القديسة مارتين، وفتحت القوى الأمنية تحقيقاً بالحادثة. ولكن هذا الواقع المرير الذي وصل اليه لبنان، تتحمل مسؤوليته قوى سياسية فاقدة لأدنى معايير الضمير، وتستمر في تعطيل ممنهج ينهش ما تبقى من بلد.
وبينما وضعت القوى السياسية الاستحقاق الرئاسي في غيبوبة قسرية، يبدو أن السياسة الدولية تتحرك. فبعد بيان “الخماسية”، الذي كان واضحاً تصويبه على فريق الممانعة المتسلح بفرنسا، صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تقريره السنوي حول تطبيق القرار 1701، واعتبر أن “حزب الله الميليشيا الخارجة عن نطاق الدولة، يعوق قدرتها على ممارسة كامل سيادتها وسلطتها على أراضيها”. والتفت التقرير إلى جمعية “أخضر بلا حدود” التابعة للحزب، والتي تنشئ مراكز على الحدود وتخرق الخط الأزرق، وترفض أن تفتش “اليونيفيل” هذه المراكز. وأهاب غوتيريش بالحكومة اللبنانية أن “تتخذ جميع الاجراءات اللازمة حتى لا تكون هناك أي أسلحة في لبنان غير أسلحة الدولة اللبنانية أو سلطة غير سلطتها بما في ذلك التنفيذ الكامل للأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف وقراري مجلس الأمن 1559 و1680 اللذين يطالبان بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان”، مكرراً دعوته إلى “تناول عناصر القرار 1701 التي لم تنفذ بعد ومسألة استراتيجية الدفاع الوطني”. وكذلك أهاب بالحكومة اللبنانية “التقيّد بسياستها بالنأي بالنفس بما يتفق مع اعلان بعبدا لعام 2012″، داعياً “جميع الجهات الفاعلة اللبنانية إلى الكف عن المشاركة في النزاع السوري وغيره من النزاعات”. وأدان “أي تنقل للمقاتلين أو نقل للعتاد الحربي عبر حدود لبنان مع سوريا”.
على الضفة المحلية، فإن استحقاق حاكمية مصرف لبنان يتقدم في الأولويات على الاستحقاق الرئاسي، وقد عقدت لجنة الادارة والعدل جلسة ثانية مع نواب حاكم مصرف لبنان الاربعة، الذين تقدموا بخطة نقدية مالية تقوم على إعادة النظر في مشروع الموازنة وإقرار قوانين لـ “الكابيتال كونترول” وإعادة هيكلة المصارف ومعالجة الفجوة المالية وحماية والودائع إضافة إلى التعاون بين مصرف لبنان والبرلمان والحكومة في ضبط سوق الدولار. ووضعت الخطة تواريخ زمنية لتنفيذ كل هذه النقاط في مهلة أقصاها تشرين الثاني المقبل.
في أولى المواقف حول اقتراحات نواب الحاكم، قال عضو “اللقاء الديموقراطي” النائب هادي ابو الحسن: “هذا الأمر غير واقعي ونحن نهدر الوقت ولن نصل الى نتيجة، مع احترامي لكل الجهود والملاحظات التي وضعت”. وأشار الى أن “هناك اقتراحاً عملياً واحداً يمكن القيام به، ففي ١٠ أيام لن نتمكن من انتخاب رئيس ولن نتمكن من القيام بالاصلاحات، إنما خلال هذه الأيام العشرة وبمسؤولية وطنية نتحملها جميعنا كمجلس نواب يمثل الكتل والحكومة موجودة فلنذهب بكل جرأة الى تعيين حاكم لمصرف لبنان ويتكون هناك سلطة متكاملة في المجلس المركزي من الحاكم إلى أعضاء المجلس المركزي يتحملوا مسؤولياتهم وفق قانون النقد والتسليف”.
على ضفة الرئاسة، رأت كتلة “الوفاء للمقاومة”، في بيان، أن “إنجاز الاستحقاق الرئاسي هو هم وطني بالأصل يتوجب على اللبنانيين تحمل المسؤولية إزاءه، وإن أي رهان على مساعدة أصدقاء لا يصح أن يتحول خياراً بديلاً عن الجهد الوطني أو معطلاً له.”
على صعيد آخر، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، وفداً من وزراء الشباب والرياضة العرب المشاركين في حفل إفتتاح فعاليات بيروت عاصمة للشباب العربي عام 2023، برئاسة رئيس المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشباب والرياضة العرب وزير الشباب والرياضة في مصر أشرف صبحي، وأكد أمامه أن “لبنان إما أن يكون بلد العرب أو لا يكون”.
وقال بري: “لا يمكن أن يكون هناك جرح في أي بلد عربي إلا ونشعر به في لبنان. وأكبر جرح في الجسد العربي هو الجرح الفلسطيني النازف في الضفة والقدس وقطاع غزة”، مضيفاً: “لقاؤكم اليوم في العاصمة بيروت هو واحة الأمل في هذا الصيف الحار في حياة اللبنانيين الذين يتطلعون على الدوام الى دعم أشقائه العرب ومؤازرتهم، كل العرب على مختلف المستويات، وخصوصاً في هذه المرحلة الراهنة التي تستدعي منا جميعاً تعزيز ثقافة الحوار والاستثمار على الارادات الصادقة بيننا كأشقاء عرب وبيننا كأبناء وطن واحد بما يمكننا من تجاوز التحديات التي تهدد لبنان والمنطقة.”
معيشياً، اعتصم العمال الميامون في كهرباء لبنان أمام مبنى المؤسسة في كورنيش النهر، بمشاركة رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر للمطالبة بحقوقهم وإنصافهم، أسوة بباقي الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة واداراتها. وحضر المراقب العام في المؤسسة علي عز الدين الى أمام مقر الشركة.
على صعيد الادارة، أشارت رئيسة رابطة الادارة العامة نوال نصر إلى أن “مسودة الموازنة تزيد من الأعباء على محدودي الدخل وعلى موظفي الإدارة العامة والقطاع العام”. وقالت في حديث اذاعي: “الدولة تدفع الموظف الى البقاء في منزله لا بل تنتهج ابادة مدروسة ضده، ومقابل ذلك نحن أمام المزيد من المواجهة ومتجهون الى مزيد من التصعيد لأن حقوق عائلاتنا مقدسة”. وأكدت أن “الاتجاه إلى المزيد من التصعيد على مختلف الصعد للحفاظ على الحقوق المقدسة والحق بالحياة”.


