الشعوب المقهورة يفترض أن تثور لتقلب واقعها. اللبنانيون مقهورون بلا شك، حاولوا الثورة لكن تجار السياسة غلبوهم على أمرهم، فتراكمت مصائبهم السياسية والإقتصادية والمعيشية، وصولاً الى الأخلاق. هذا الشغور والخواء في كل يومياتنا حين صرنا مواطنين في “جمهورية جهنم” كان لا بد من أن يصيب مناعتنا الأخلاقية والنفسية والاجتماعية والعائلية.
وهكذا صرنا نستيقظ كل يوم على جريمة جديدة بحق الانسانية، جرائم تطال الأطفال والقاصرين، واللافت أن جريمتي اغتصاب كانتا من أحد أفراد العائلة، مثل قضية الطفلة لين طالب التي اغتصبها جدها حتى الموت، إلى قضية فتاة الـ ١٧ عاماً التي كانت تتعرض للاغتصاب من شقيقيها، والمصيبة أن الأم في الحالتين كانت على علم بالجريمة، لتضج أيضاً قضية اغتصاب الطفل بكر في عكار من قبل أحد شبان عائلة صديقة، وهذه المرة حاول أهله التستر على الجريمة خوفاً من الفضيحة، إلا أن وضعه الصحي الذي تأزم دفعهم إلى الكشف عنها. وبعد صدمة الرأي العام اللبناني من كل هذه الجرائم، انكشفت جريمة جديدة، وهذه المرة من جمعية يفترض أن عملها انساني ورعاية اجتماعية بحق الأطفال والأحداث، بحيث قرر القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا إقفال جمعية “قرية المحبة والسلام”، بعد أن أظهرت التحقيقات أن رئيسة الجمعية، مرتكبة جرائم الاتجار بالبشر وترويج دعارة القصّر، ومتسترة على أحد العاملين الذي يتحرش بالأطفال، وكون الجمعية تأسست على أثر الأزمة الاقتصادية، أثير موضوع الجمعيات العشوائية التي فرّخت بعد الأزمة بالعشرات، وبدأت المطالبات بالتحقيق بشأن نشاطاتها.
من جرائم الانسانية إلى الجرائم الوطنية، حيث لا يزال الفراغ في رئاسة الجمهورية، وسيتمدد آخر الشهر الجاري إلى حاكمية المصرف المركزي، وسط ترقب للخطوة الذي سيقدم عليها نواب الحاكم، وتحديداً إذا ما قرروا الاستقالة، ما يعني أن المصرف المركزي سيكون بلا حاكمه ولا مجلس مركزي، والخوف الأكبر من أن يستمر الفراغ، ويطال المؤسسة العسكرية، بحيث تنتهي ولاية قائد الجيش العماد جوزيف عون بعد بضعة أشهر، وليس هناك رئيس أركان يحل محله.
وبدل أن يستيقظ الضمير النائم عند السياسيين، يستمرون في التصعيد والتراشق الاعلامي، مستبقين عودة المبعوث الفرنسي جان ايف لودريان، الذي قيل انه يعود مطلع الأسبوع المقبل، من دون أن يحمل معه المبادرة الفرنسية المعروفة والتي أنهاها اللقاء الخماسي. وتنقل أوساط ديبلوماسية أن لودريان سيطرح الخيار الثالث انسجاماً مع رأي “الخماسية”، الأمر الذي يرفضه الثنائي الشيعي، ويعتبره أجندة أميركية كما عبّر أحد كبار قياديي “حزب الله” أول من أمس. فقد رأى عضو المجلس المركزي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق أن “التحرك الخارجي ينجح إذا كان يداً للمساعدة، ولم يصبح جزءاً من الانقسامات”، لافتاً إلى أن “التحريض لا يغيّر المعادلات، والتضليل لا يغيّر المعادلات، وعلى البعض ألا يضيّعوا الوقت وألا يهدروا الفرص، وعليهم أن يتعلّموا من التجارب الماضية، وأن لا يجربوا المجرّب”. واعتبر أن “عمق المشكلة اليوم يكمُن في أن الفريق الآخر يريد المواجهة والصدام ويخطط ويعمل على المواجهة والصدام، ومن يرفض التوافق، عليه أن يتّهم نفسه، ومن الطبيعي أن يتهمه الآخرون بالعرقلة”. وتوجّه الى “جماعة التحدي والمواجهة”، بالقول: “هل تراجعتم عن قراركم بتعطيل نصاب الجلسات إذا كان سيُنتخب فيها الوزير سليمان فرنجية؟ ومن حق اللبنانيين أن يسمعوا جوابكم”.
واستبعد عضو تكتل “لبنان القوي” النائب سيمون أبي رميا أي نتائج ملموسة لزيارة لودريان الأسبوع المقبل الى لبنان في ظل التعطيل الحاصل داخلياً والتوازنات السياسية التي لا تعطي الأكثرية لأي طرف “حيث أن النظام السياسي في لبنان تحكمه التعددية الطائفية التي تشكل مصدر غنى الا أنها من جهة أخرى تجعل منه نظاماً تعطيلياً بسبب أداء السلطة السياسية”. وشدد على أن “الحل يتمثل إما بجلسات انتخابية مفتوحة أو بطاولة حوار بين كل الكتل السياسية تكون منتجة”.
في المقابل، رأى عضو كتلة “الكتائب” الياس حنكش أن “الحوار لا يمكن أن يكون مضيعة للوقت أو لاقناعنا بخياراتهم”، معتبراً أن “على الحوار الناجح أن يكون محددّاً بشروط أولّها تحديد الوقت، وتحديد جدول للأعمال، والتركيز على الاستحقاق الأهم الممثّل برئاسة الجمهورية”. وأكد أن “زيارة لودريان القريبة يمكن أن تحمل شيئاً منطقياً يساعد في خرق الجمود الذي نعانيه ولكن لا شيء منزل فنحن نختار ما يفيدنا ويصبّ في مصلحة لبنان”، مشيراً الى أن “المعارضة متمسكة بترشيحها لجهاد أزعور وستصوّت له في أي جلسة قريبة، ولكن من الممكن أن يكون هناك تغيير على الصعيد الفردي للنواب الا أن معظم الكتل التي تلاقت على أزعور لا تزال متمسكة به”.
إلى ذلك، تمنى البطريرك الماروني بشارة الراعي على السياسيين أن “يترفعوا عن مصالحهم الشخصية وحساباتهم الضيقة ليتمكنوا من رؤية الواقع، وطالما هم غارقون في وحول المصالح الشخصية والمصالح والفئوية يتخبط لبنان من يوم الى يوم”.


