للمرة الثانية حط المبعوث الفرنسي الخاص جان ايف لودريان في بيروت، واستهل جولته هذه المرة من عين التينة حيث التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وغادر من دون الادلاء بتصريح، لكن رئيس المجلس وصف اللقاء بـ”الجيد”، وقال: “يمكننا القول إن كوة في جدار الملف الرئاسي قد فتحت”. لكن بري لم يحدد من أي جهة فتحت الكوة، فكل الاشارات تقول إن لودريان لا يحمل رئيساً في جيبه، والثنائي الشيعي لا يزال متمسكاً برئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، بينما المعارضة ترفض حتى الحوار، وتتقاطع مع “التيار الوطني الحر” على منع وصول فرنجية، بالاضافة إلى نعي المبادرة الفرنسية للحوار في اللقاء الخماسي في الدوحة، ولذلك، عدا عن تخلي الثنائي الشيعي عن فرنجية ليست هناك كوة أصلاً لتفتح، إلا إذا كان لدى بري معطيات عن جولات الحوار بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”.
وقد يكون الأسبوع الجاري هو الأخطر منذ بداية الشغور الرئاسي، فالفراغ في حاكمية مصرف لبنان بحكم الحتمي، ونواب الحاكم يرفضون حمل كرة النار من دون غطاء سياسي، وهذا ما عمل عليه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي استمهلهم إلى الخميس لمحاولة تأمينه. وفي هذا السياق، حط الرئيس ميقاتي في عين التينة، والتقى الرئيس بري، وعوضاً عن سعيه إلى الغطاء الذي من الصعب تأمينه، أكد بري وجوب تعيين حاكم جديد.
وأشار بري في حديث صحافي الى أنه اتفق مع ميقاتي على عقد جلسة يوم الخميس لتعيين حاكم جديد، وبالفعل دعا ميقاتي إلى جلسة في هذا اليوم “لمتابعة البحث في مستجدات الوضعين المالي والنقدي، لا سيما مع قرب انتهاء مدة ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة”، وفق ما أعلن الأمين العام للمجلس، لكن وفي ظل رفض مسيحي بحجة الشغور في الرئاسة الأولى لا يتوقع أن يتم التعيين، بالاضافة إلى ممانعة “حزب الله” أن تقوم الحكومة بأي تعيين، وميل الحزب إلى استلام النائب الأول مهام الحاكم، ولعل أكبر دليل على أن الجلسة لن تنتج حاكماً هو الاعتراضات العنيفة التي بدأت من بعض الوزراء على مجموعة “الواتساب” الحكومية، والتي ستنفجر في جلسة الخميس.
وفيما يتولى بري محاولة إقناع “حزب الله” بتعيين حاكم جديد، يجري ميقاتي اتصالات واسعة، تبدأ من بكركي، ولا تنتهي بعوكر، بينما نواب الحاكم ينتظرون قرار مجلس شورى الدولة بشأن نقل صلاحية إصدار مراسيم الاستقراض من مجلس النواب إلى الحكومة، وذلك كي يقتنعوا بعدم الاستقالة.
وفي حين كان بري يفضل التمديد لسلامة، يبدو أنه غيّر توجهه، وأصبح اليوم يسعى الى تعيين حاكم جديد. ونقلت مصادر مقربة من عين التينة لموقع “لبنان الكبير” أن موقف الرئيس بري “حاسم ونهائي بضرورة تعيين حاكم أصيل لحاكمية المصرف المركزي، وهو يمقت فكرة أن يتسلم النائب الأول وسيم منصوري مهام الحاكم، لعدة اعتبارات، أولها أنه سيتم تحميله مسؤولية أي انهيار قد يحصل في سعر الصرف، تحديداً أن الأخير منهجيته مختلفة عن سلامة، ولا يريد صرف أي قرش من الاحتياطي الإلزامي، الذي يعتبره من أموال المودعين”.
ولفتت المصادر الى أن بري يصر على جلسة حكومية لتعيين حاكم مركزي، على مبدأ “اللهم إني بلغت”، معترفة بأن الجلسة المقبلة لن تسفر عن تعيين حاكم، ولكنها لرفع المسؤولية، وفي حال لم يتمكن ميقاتي من تأمين الغطاء للنواب الأربعة، فهم على الأرجح متجهون الى الاستقالة، وعندها ستطلب منهم الحكومة تصريف الأعمال، ليدخل البلد حينها في هذه الدوامة ولكن من جهة المصرف المركزي، بحيث سينشب الخلاف حول مبدأ تفسير كيفية تصريف الأعمال.
وبينما استهل لودريان جولته الثانية، يبدو أن تمسك الثنائي الشيعي بفرنجية مستمر، وهذا ما أكده الرئيس بري في حديث صحافي بقوله: “لن نتنازل عن مرشحنا”. واعتبر أن “الفراغ دخل شهرَهُ التاسع، ولم يولد رئيس الجمهورية بعد، لو أجرينا حواراً لمدة عشرة إلى خمسةَ عشر يوماً لكنّا وفّرنا الوقت”.
وفي السياق نفسه، أشار نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الى “أننا نعمل لبناء الدولة ولذلك حريصون على أن ينتخب رئيس الجمهورية بأسرع وقت، ولكن هذا الرئيس يجب أن يكون بمواصفات وأهمها أن يكون أميناً على حماية التحرير والمساهمة في استمرار العمل لتحرير الأرض، والأمر الثاني أن يكون من الذين يعملون لبناء الدولة برعاية خطة إنقاذ يشترك فيها المعنيون من أجل العمل حتى نتمكن من التقدم إلى الأمام”.
في المقابل، أكّد رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع أن “القوات تخوض حالياً، الى جانب حلفائها، معركة استرداد الجمهورية من خاطفيها عبر منع محور الممانعة من السيطرة على موقع رئاسة الجمهورية، الأمر الذي في حال حصوله، سوف يؤدي إلى استمرار تدهور الأوضاع الإقتصادية والمالية ومضاعفة معاناة اللبنانيين”. واذ شدّد خلال استقباله وفداً قواتياً من منطقة عاليه، على أن “أهمية دور القوات تتبلور يوماً بعد يوم كصمّام أمان للمجتمع”، لفت إلى أن “اللبنانيين السياديين والأحرار يعوّلون عليها لإنقاذ ما تبقى والعودة بلبنان إلى سابق عهده وأمجاده”.
أضاف: “نُدرِك تماماً أننا أمام مسار طويل في عملية تحرير القرار اللبناني من خاطفيه وإعادته الى المؤسسات الرسمية، إلا أننا مصممون على اجتيازه كاملاً، من دون كللّ أو تردد، حتى يتحقق للبنانيين ما يصبون اليه من حياة حرّة وكريمة في وطن سيّد ومزدهر، تسوده عدالة القانون”.
على صعيد آخر، تقدمت كتلة “الجمهورية القوية” والنواب ميشال معوض وفؤاد مخزومي وأديب عبد المسيح وغسان سكاف بعريضة نيابية موجهة الى رئيس الحكومة، مطالبين بـ “عدم استمرار الحكومة في التعاطي مع المنظمات الدولية على أساس أن النازحين السوريين هم لاجئون، خلافاً للدستور والقانون اللبناني والاتفاقات الموقعة مع الأمم المتحدة، واتخاذ الاجراءات لاعادتهم الى بلادهم، من ليس لديهم مبرر قانوني لوجودهم على الأراضي اللبنانية. وهذا القرار هو قرار سيادي بحسب الدستور، يعود للحكومة اللبنانية اتخاذه، خصوصاً أن لبنان هو بلد عبور وليس بلد لجوء، بحسب الاتفاقية الموقعة مع الأمم المتحدة”.


