شغور رئاسي وإداري متمدد، حكومة تصريف أعمال عاجزة حتى عن التصريف، أزمة اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، أعداد هائلة من النازحين السوريين، تهجير أكثر من ربع اللبنانيين، دمار مادي وعمراني متوحش، خسائر بشرية قاسية، ديبلوماسية عربية باردة، انحياز غربي فج، تفوق إسرائيلي ساحق والأكثر خطورة حربٌ طالت أيامها، فما هي مقومات الصمود الطائفية والسياسية والاقتصادية لدى مجتمع احتضان النازحين؟
الطائفة التي فاجأت الجميع
تعتبر مناطق الشمال والبقاع والجبل الأكثر احتضاناً للنازحين جراء العدوان الاسرائيلي على الجنوب والضاحية خصوصاً وفي كل مكان وجد فيه مسؤول سياسي أو عسكري في “حزب الله”. وعلى الرغم من بعض الأصوات الخافتة التي خرجت حيال مناوشات محدودة بين نازحين ومقيمين، إلا أن اللبنانيين أثبتوا بكل ما أوتوا من قوة مناعة اجتماعية وتضامناً وطنياً عبّروا عنه احتضاناً إنسانياً غير محدود للنازحين من الطائفة الشيعية مسقطين أي حساب سياسي أو طائفي.
بلغ عدد النازحين المسجلين 190 ألفاً و680 شخصاً أي ما يعادل 44 ألفاً و908 عائلات، موزعين على 1163 مركز إيواء، وصل منها 991 مركزاً إلى القدرة الاستيعابية القصوى. وبحسب المجلس الأعلى للدفاع يتوزع عدد النازحين في مراكز الإيواء حسب المحافظات حتى الثلث الأول من الشهر الجاري وفقاً للشكل الآتي:
جبل لبنان: 70 ألفاً و219 نازحاً.
بيروت: 55 ألفاً و634 نازحاً.
الجنوب: 14 ألفاً و898 نازحاً.
البقاع: 14 ألفاً و839 نازحاً.
الشمال: 13 ألفاً و748 نازحاً.
بعلبك – الهرمل: 12 ألفاً و993 نازحاً.
عكار: 7 آلاف و376 نازحاً.
النبطية: 973 نازحاً.
هذا بالاضافة إلى وجود أكثر من 80 ألف نازح في عرسال غالبيتهم العظمى من الشيعة، عدا عن الآلاف غير المسجلين لدى الأجهزة الحكومية يتوزعون في المناطق بحكم العلاقات الشخصية والتجارية وغير ذلك.
في المناطق المسيحية التي نزح الشيعة إليها، تطوعت جمعيات مختلفة وأحزاب سياسية متعددة الاتجاهات لخدمة النازحين بما توفر من مقومات حياتية ممكنة، كذلك في المناطق الدرزية التي استعدت لاستقبال النازحين حتى قبل نزوحهم وفعَّلت مختلف قنوات الدعم الانساني الممكنة.
أما في المناطق السنية خصوصاً ذات الرمزية السياسية والمذهبية التي تفاعلت منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بمحاولة إسقاط حكومة فؤاد السنيورة، توقفاً عند أحداث 7 أيار مطولاً، متابعةً في التدخل السوري بخلفية مذهبية وليس انتهاءً بإدانة “حزب الله” باغتيال الحريري على وقع نخر حكومات سعد الحريري بين عامَيْ 2010 و2019 وما تخللهما من استعراضات إخضاعية بالقمصان السود. ولكن للحرب كلام آخر يردده السُنَّة فالوقت ليس للحساب لا بل الأصح لا حساب في الأساس فالله يحاسب الجميع، ذلك حال لسان أبناء الطائفة السنية في طرابلس وعكار والضنية ومرياطة وعرسال وغيرها من المناطق ذات صبغة مذهبية صرف.
يقول مواطن (مسيحي) في إحدى الجلسات الشعبية: “غريب أمركم أيها السُنَّة لا تحاسبون”. أما عن الشيعة الذين تلا معظمهم فعل الندامة جراء ما أصابهم من جهالة بقوم أسيء الحديث عنهم لغايات في نفس فارس، فحدث ولا حرج إذ تبيَّن لهم أن ذلك الفارس لم يكن سوى تاجر ودابته مجرد حمار.
إحدى الشيعيات التي وصلت إلى منطقة مرياطة في قضاء زغرتا، تقول: “عند وصولي إلى ساحة النور شعرت بخوف شديد جراء نزوحي إلى مناطق سنية، أما اليوم وبعد أكثر من 3 أشهر على إقامتي في هذه البلدة فسأخبر الجميع عما لمسته من حب بلا حدود”. شيعية أخرى شكرت الله الذي جعل لها مكاناً في هذه البلدة الطيبون أهلها. شهادات لا تنتهي وصحف عديدة لا تتسع لها ولا الكلمات المديدة تكفي للتعبير عما يعيشه الشيعة بين أبناء البلد الواحد ليسقط التهويل الفرنسي بوقوع حرب أهلية عند أقدام الوحدة اللبنانية.
هذا ما جناه السياسيون
لا شك في أن جبهة الإسناد التي أطلقها الراحل حسن نصر الله صبيحة “طوفان الأقصى” لم تسمن عن حاجة غزة إلى وقف العدوان الاسرائيلي ولم تغنِ من جوع التحرير في القدس ولا في الضفة وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية الجريحة. أدخل حزبُه نفسَه في معركة أعلن أمينه العام السابق أنه لم يكن على علم بها لكن حال لسانه كان: “أنا لها”.
اليوم يصارع لبنان الرسمي بدفع من “حزب الله” وقف إطلاق النار مبدياً استعداده لتنفيذ مندرجات القرار الدولي 1701 كافة. تنفيذٌ طال انتظاره 18 عاماً لكن ما كتب من خراب سياسي واقتصادي واجتماعي وحزبي قد كتب. في العام 2006 كانت هناك حكومة أصيلة قادرة على التواصل والتفاوض واستقطاب الدعم العربي والدولي بحيث تمكنت من إرجاع النازحين والطلاب إلى منازلهم ومدارسهم خلال 6 أشهر على وقع انطلاق مشاريع إعادة الأعمار التي تنافس في ميدانها غير دولة عربية شقيقة وصديقة.
حاذر معظم اللبنانيين شر الوقوع في فخ الجبهات التي نصبها رئيس وزراء العدو الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحذروا من مغبة تمدد الحرب وقضمها الأخضر واليابس فأتت على رمز المقاومة وأسطورتها، ولم يكتفِ عند هذا الحد بل يسعى إلى تغذية القرار 1701 بملحق يتيح له مهاجمة أي أهداف يزعم أنها تهدد إسرائيل.
إخلاء الجنوب من مظاهر “حزب الله” أياً كانت، توسيع محتمل لصلاحيات قوات الطوارئ الدولية وبسط الشرعية اللبنانية سلطتها على كامل أراضي الدويلة المنهارة تمهيداً لتحول محتمل إلى العمل السياسي يُستهل بانتخاب رئيس توافقي للجمهورية بعد عامين من التعنت غير المبرر لإيصال مرشح المقاومة وحامي ظهرها من الغدر والفجور سليمان فرنجية. كان ذلك ممكناً بعد العام 2006 فعلى الرغم من أنه يستحيل الرجوع إلى الوراء 18 عاماً وإمكان حقن دماء مَنْ سقطوا قتلى وجرحى وخسروا ما بنوه من أسقف وحجارة ودكاكين بلا قضية مركزية تعنيهم بل وجدوا أنفسهم مجرد وقود مشاريع الغرباء عن أوطانهم، ذلك حال معظم النازحين الشيعة على وجه الخصوص.
يصرُّ أحد النازحين بعد انتهاء الحرب والعودة إلى الحياة الطبيعية خصوصاً في الجنوب، على الترشح إلى الانتخابات البلدية رفقة أصدقاء الفكر والمعاناة ضد الحزب ولو منفردين، معتبراً أن زمن التخوين ولَّى ولن يعود فحتى قادة الحزب أنفسهم باتوا على قناعة بأن ترهيب السبابة قد سقط وأن خطاب التعالي قد أُخمد.
مجتمع احتضان النازحين عموماً والسني خصوصاً أعطى درساً تطبيقياً للطائفة الشيعية ابنة بيئة الحزب في أن السياسة لا تعني الإلغاء وأن الاختلاف لا يعني العداء. فالاعلان عن مقتل سليم عياش في غارة إسرائيلية على مدينة القُصير السورية شكَّل صدمة توعوية لدى أكثرية الشيعة بحيث أن تشفي أهل السُنَّة بقاتل رفيق الحريري أتى موجهاً إلى شخصه بصورة منفردة بمعزل عن طائفته ومدينته وحتى حزبه، ليتوعدوا بمعظمهم بغدٍ سياسي آخر.
على حافة الانفجار
أشار تقرير الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية الذي صدر الشهر الجاري إلى أن الوضع الإنساني في لبنان وصل إلى “مستويات تجاوزت شدة حرب 2006″، ما يرسم صورة قاتمة للظروف التي يمر بها اللبنانيون نتيجة العدوان الاسرائيلي المستفرس في البلاد.
عداونٌ طاولت نيرانه مختلف القطاعات الاقتصادية والحيوية فتعطل معظم الصناعات والمصالح المنتجة، أقفلت المدارس والجامعات، ارتفعت الأسعار، تهاوت القدرة الشرائية وتفاقمت معدلات الفقر وحالات الجوع وغيرها من التداعيات السلبية التي اجتاحت المجتمع كالنار في الهشيم، ما يطرح تساؤلات حول أحقية مختلف الأطياف في أن تشملها المساعدات كسائر النازحين كي تقوى على الصمود والمواجهة ريثما تنتهي الحرب وتعالج تداعياتها التي ستستمر طويلاً بالنظر إلى اختلاف ظروف الحرب الحالية عن تموز 2006.
في هذا السياق، يقول أستاذ العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية الدكتور خليل غزاوي لـ “لبنان الكبير”: “مما لا شك فيه أن المجتمع اللبناني بأطيافه كافة أظهر صورة جميلة من صور التكافل الإجتماعي باحتضانه أخوة لهم في الوطن وتعالى عن الخلافات السياسية كافة، فأبهر العالم بهذا التضامن والتكافل وإن دلَّ على شيء فيدل على الفجوه الكبيرة بين اللغة السياسية المستخدمة والواقع الاجتماعي الحقيقي. وعليه وفي ظل الواقع الاجتماعي والاقتصادي المرير نرى أن من الضروري أن يخصص جزء من المساعدات لمساعدة مجتمع الإحتضان، ولكن في ظل ندرة المساعدات وقلتها نسبةً إلى حجم النزوح فمن الواضح أن التعامل مع مسألة توزيع المساعدات جاء وفقاً لمبدأ الأولوية وهي في هذه الحالة تأمين الحاجات الأساسية للنازحين على اعتبار أن من لديه سقف يلجأ إليه يمكنه أن يستمر في الحياة من دون حصوله على أي مساعدات”.
يضيف غزاوي: “هذا الأمر مرهون بأمد الأزمة فإن طالت ولم يتمكن النازح من العودة إلى دياره، نرى أن على لجنة الطوارئ الحكومية أن تعيد النظر في توزيع المساعدات وأن تأخذ في الاعتبار المجتمع الحاضن وتؤمن له جزءاً من المساعدات كي يتمكن من الاستمرار في لعب دور المساند للنازحين”.
على الرغم من الموقف العربي الرافض لسلوك “حزب الله” ودوره المزعزع للاستقرار الداخلي والاقليمي إلا أن التضامن الإنساني قال كلمته ولا يزال بحيث أن عدّاد طائرات المساعدات في تصاعد مستمر خصوصاً السعودية والاماراتية والقطرية وغيرها من الدول الشقيقة والصديقة، في الوقت الذي يرزح فيه السواد الأعظم من اللبنانيين تحت خط الفقر الآخذ في الامتداد والتوسع.
وعليه يقول غزاوي: “إنَّ حجم الكارثة التي يعيشها لبنان لا يكمن أن تسدها المساعدات التي ترسل إليه والتي تعتبر رمزية على الرغم من أهميتها. فلا يمكن تخيل أن تكون هذه المساعدات هي التي تساند النازحين بصورة كاملة. لذا يجب أن نأخذ في الاعتبار حجم المساعدات الفردية التي تأتي من الاغتراب وتعتبر أهم مصدر من مصادر الصمود فحجم التحويلات الخارجية إلى لبنان ارتفع منذ بداية الأزمة بنسبة تزيد عن 25% وهو أمر ملحوظ، ولكن هنا لا ننفي أهمية تعميم المساعدات على الجميع وأن تلعب البلديات الحاضنة للنزوح الدور المحوري لتوزيع المساعدات وأن يتم إجراء دراسة ومسح ميداني سريع للنازحين وأن تخصص الموارد للفئات الأكثر حاجة”.
ستنتهي الحرب ويتصافح القادة وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل، لا أعلم من باع الوطن ولكنني رأيتُ مَنْ دفع الثمن. بكلمات ليست كالكلمات يختصر الكاتب والشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ويلات الحروب وما تكشفه من تجار وما تخلفه من ضحايا من دون أن تتعلم الشعوب وتُسقط قادة الحروب.


