نقيضاً لأدائها “اللطيف” في لبنان، أفصحت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس عن مكنونات ادارتها الحقيقية، وتوجهت إلى اللبنانيين بالقول: “هذا هو وجهكم الحقيقي… وذاك هو السرطان الذي يأكلكم من الداخل”.
قالت ما لم يقله أحد من قبل، لا من موقع الديبلوماسية ولا من هامش اللياقة: “حزب الله هو السرطان. واستئصاله ليس خياراً، بل شرط للبقاء”.
المفارقة لم تكن في التوصيف القاسي الذي استُخدم لأول مرة على لسان مسؤول أميركي بهذا المستوى وحسب، بل في التناقض، إشادة صريحة بدور نبيه بري، “الأخ الأكبر” لـ “حزب الله”، بوصفه “ركناً تفاؤلياً” في المرحلة المقبلة، بما يبدو أنه رسالة أميركية إلى شيعة لبنان، المشكلة ليست مع طائفتكم.
من بيروت إلى أبو ظبي، لم تُهادن أورتاغوس، بل وسّعت في خطابها دائرة النار: إيران “تجرّ لبنان إلى صراع لا يريده”، الجيش اللبناني “قادر على تولي الأمن” إن توافرت الإرادة، أما المصارف فـ “لا ثقة ولا دولارات إن لم تُقرّ الاصلاحات”.
حتى الخوف المزمن من شبح الحرب الأهلية، ذاك الذي جُعِل شماعة لجمودٍ طويل، رفضته بعبارة قاطعة: “نسمع هذا الكلام منذ عشرين عاماً”.
في لفتة سريالية، أشادت أورتاغوس بـ”حكومة خبراء الشتات” التي تضم كفاءات من كبرى المؤسسات المالية في العالم، تعهّدت ألا تترشّح للنيابة، فقط لتُنجز. بدا المشهد وكأنه سيناريو من رواية مثالية كُتبت في بلدٍ آخر، لا علاقة له بالمحاصصة اللبنانية ولا بتعقيدات الطوائف… أو ربما هو حلم أميركي عن لبنان لم يُولد بعد.
الإنذار جاء واضحاً: “الوضع أسوأ من اليونان، والاصلاحات ليست ترفاً بل شرط وجود”. والصبر الأميركي ليس إلى ما لا نهاية. حتى المساعدات للجيش، التي لطالما اعتُبرت ثابتة، وُضعت على طاولة المراجعة: “إذا كنّا ندعم منذ عقود بلا نتائج، فربما هناك مشكلة فينا”.
وفيما كانت أورتاغوس تُطلق مواقفها من الخليج، كانت النيران تتقاطع في الجنوب اللبناني: مسيّرات تقصف، مدنيون يُصابون في ميس الجبل، وانتهاكات إسرائيلية ترصدها “اليونيفيل” من دون قدرة على الردع. وفي الخلفية، ملفات الصواريخ المهملة، والبنادق الصامتة، والحدود المعلّقة على قيد الحرب المؤجلة.
الخروق الاسرائيلية مستمرة
ميدانياً، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية سيارة من نوع “رابيد” بقنبلة في منطقة رأس الناقورة، وقد نجا سائقها من الهجوم. كذلك، ألقت مسيّرة قنبلة باتجاه صيادي الأسماك في المنطقة ذاتها. وفي بلدة ميس الجبل، أطلق الجيش الاسرائيلي النار على الأهالي، ما أدى إلى إصابة شخصين نُقلا إلى مستشفى ميس الجبل الحكومي لتلقي العلاج، ووصفت حالتهما بالمستقرة.
الجيش يعثر على صواريخ قديمة
وفي تطور آخر، أفادت معلومات بأن الجيش اللبناني عثر على صاروخين قديمين مرميين في أحد البساتين في جنوب لبنان، ليتبيّن لاحقاً عدم صحة ما تم تداوله حول إحباط عملية إطلاق صواريخ. وأوضحت المعطيات أن الصواريخ المكتشفة كانت تحتاج إلى عمليات إضافية لتُصبح صالحة للإطلاق.
“اليونيفيل” تدعو الى احترام الـ 1701
في السياق نفسه، أصدرت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” بياناً أمس الثلاثاء، أكدت فيه رصد استمرار الوجود الاسرائيلي والضربات الجوية داخل الأراضي اللبنانية، بالاضافة إلى اكتشاف أسلحة غير مشروعة، مثل منصات صواريخ وصواريخ مضادة للدروع. واعتبرت أن هذه الأنشطة تُشكّل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، داعية جميع الأطراف إلى احترام القرار “نصًا وروحًا”، من أجل الحفاظ على استقرار المنطقة وحماية المدنيين.
الحكومة تقر قوانين اصلاحية
على المستوى الحكومي، أقرت الحكومة برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام مشروع قانون لإصلاح القطاع المصرفي، ضمن خطة إصلاحية من ثلاث مراحل، تهدف إلى: تعديل قانون السرية المصرفية (الذي سبق إقراره) بهدف الكشف عن الفجوة المالية ومعالجة الودائع المجمدة منذ العام 2019، إعادة هيكلة المصارف، من خلال تشريع جديد ينظّم عملها وفق المعايير الدولية، على أن يُحال على البرلمان بنهاية الأسبوع الجاري، ومعالجة الفجوة المالية عبر إعداد قانون ثالث خلال فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، بالتشاور مع مصرف لبنان وممثلي المودعين.
الأسباب الموجبة لهذه الاصلاحات تشمل: حماية حقوق المودعين في ظل شلل القطاع المصرفي منذ 2019، استعادة التوازن المالي وتحفيز النمو الاقتصادي، وتلبية شروط الجهات الدولية الداعمة، لا سيما صندوق النقد الدولي.
وصرّح وزير الاعلام بول مرقص بأن التشريعات الثلاثة مترابطة وسيتم تنفيذها بالتتابع، مشيراً إلى أن تعديل السرية المصرفية يتضمّن مفعولاً رجعياً لعشر سنوات، بما يسمح بمحاسبة المخالفات المالية السابقة. واعتبر أن هذه الخطوات تمثل “مرحلة حاسمة لانتشال لبنان من أزمته الخانقة”.
الجدول الزمني المتوقع للإصلاحات: التصويت على قانون إعادة هيكلة المصارف في البرلمان خلال أيام، وإعداد مشروع قانون معالجة الفجوة المالية بحلول نهاية العام 2024.
وتُعتبر هذه الحزمة من الاصلاحات شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة المودعين وجذب الدعم الدولي، وهي تمثل خطوة مركزية في مسار إنقاذ الاقتصاد اللبناني المنهك.


