منذ اندلاع النزاع في سوريا عام 2011، شهدت المنطقة موجة نزوح غير مسبوقة، تجاوز فيها عدد اللاجئين السوريين حول العالم ستة ملايين، وكان للبنان النصيب الأكبر نسبةً إلى عدد سكانه، حيث يستضيف نحو 1.5 مليون لاجئ سوري. هذا التدفق الكبير شكّل ضغطًا هائلًا على لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والخدمية في البلاد.
ردًا على هذا الواقع، أطلقت الحكومة اللبنانية، بدعم أممي، خطة لإعادة اللاجئين بشكل تدريجي إلى سوريا، عبر تقديم حوافز مالية وإجراءات تسهيلية، تحت إشراف أمني مباشر. لكن هذه الخطة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار الدمار في سوريا، والعقوبات الدولية التي تعرقل إعادة الإعمار وتحدّ من إمكانية العودة الآمنة والكريمة للاجئين.
وفي الجنوب اللبناني، يواجه اللاجئون ظروفًا قاسية، مثلهم مثل الجنوبيين، فهم أيضًا فقدوا مسكنهم وعملهم، وحتى تساووا مع الجنوبيين في الضحايا البشرية.
في ظل هذا المشهد المعقد، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم عالقين بين بلد مضيف لا يوفر الأمان ولا الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ووطن لا يملكون ضمانات حقيقية للعودة إليه، في ظل غياب أي حل سياسي شامل يضمن حقوقهم ويحفظ كرامتهم.
يقول عضو كتلة “التنمية والتحرير”، النائب قاسم هاشم، إن “الواضح حتى اليوم هو وجود حركة عودة ملحوظة من كل المناطق الجنوبية، وخصوصًا بعد أن تم تقديم دعم من المنظمة الدولية، وتشجيعهم على العودة عبر بطاقات الدعم المالي، مما شكّل عاملًا مشجعًا في كل الأحوال”.
ويضيف هاشم: “بالمبدأ، الأمور تغيرت، ووفق ما هو جارٍ نتابع لنرى إلى أي مدى سيستمر ذلك، وهذا ما ستُظهره الأيام والأسابيع القادمة مع اقتراب شهر تشرين، إذا ما تطورت الأمور في أي اتجاه، وعلى أكثر من صعيد”.
ويشير إلى أن “الأوضاع في سوريا تتحسن يومًا بعد يوم، في ظل بدء ورشة الإعمار وتحريك الحياة الاقتصادية بشكل أو بآخر، وبشكل واضح”، معتبرًا أن “كل هذه المعطيات تُعدّ عوامل مشجعة لعودة اللاجئين”.
ويتابع: “لكن يبقى السؤال: هل ستكون هناك لاحقًا عودة إلى لبنان؟ من الممكن طبعًا أن يحصل ذلك، فلبنان دائمًا كان بحاجة إلى هذا الوجود، وكان عبر التاريخ هناك حجم وفاعلية للعمل السوري، والأعداد ليست قليلة”.
ويؤكد هاشم في هذا السياق أن “حركة العودة، عندما تتحرك، يجب أن تكون منظمة وفق الحاجات، وضمن خطة معينة للأشقاء السوريين، أو حتى ضمن المؤسسات اللبنانية الأمنية الراعية لهذه العودة، وبما يتلاءم مع مقتضيات المصلحة الوطنية وما تسمح به ظروف لبنان”، مشددًا على أن “الاحتياجات تبقى هي الأساس في أي حركة عودة مستقبلية إلى لبنان”.
من جهة أخرى، بدأت عدد من البلديات في المناطق الجنوبية باتخاذ إجراءات تنظيمية تتعلق بالوجود السوري، حيث طلبت من اللاجئين السوريين تسجيل أسمائهم في سجلات البلدية، مع إبراز الأوراق الثبوتية الرسمية لإثبات الإقامة القانونية. كما قامت بعض البلديات بتحديد وقت لخروج اللاجئين من المنازل التي يقطنون فيها، في خطوة تهدف إلى تنظيم هذا الوجود بما يتوافق مع القوانين المحلية والظروف الراهنة، وفي إطار التنسيق مع الجهات الرسمية المعنية.
في السياسة، التوقيت هو كل شيء. فلماذا بدأت اليوم المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) بتنفيذ خطة العودة الطوعية للاجئين السوريين، بينما في السابق كانت هناك زيارات رسمية عدة إلى سوريا، بعضها لم يطرح ملف العودة، وبعضها طرحه دون أي جدوى؟
هذا يعكس أن الملف لا يُعالج بمعزل عن الحسابات السياسية والمصالح الإقليمية والدولية، وأن أي خطوة حقيقية تتطلب توافقًا سياسيًا داخليًا وخارجيًا معقدًا. رغم ذلك، فإن تنفيذ الخطة اليوم، عبر دعم لوجستي ومالي للراغبين بالعودة، يمثل بداية لتنظيم ملف اللاجئين بطريقة أكثر إنسانية ومنطقية.
في المقابل، يبقى الخطاب العنصري والتحريضي تجاه اللاجئين، خصوصًا من قبل بعض الأطراف التي دعمت دخولهم بشكل عشوائي سابقًا، خطرًا يهدد الأمن والاستقرار اللبناني، ويعكس ازدواجية سياسية خطيرة تهدف إلى تأجيج الأزمة بدلًا من حلّها.


