بعد توقيع اتفاق 7 تشرين الثاني 2024 بين “حزب الله” وإسرائيل برعاية الدولة اللبنانية والولايات المتحدة، دخلت الساحة اللبنانية مرحلة جديدة تتطلّب قراءة دقيقة لمستقبل السلاح الذي كان يُعتقد أنه يشكّل أداة دفاع أساسية للبنان. ورغم مرور وقت على هذا الاتفاق، الذي استند إلى القرار 1701، لا تزال إسرائيل مستمرة في تنفيذ عمليات اغتيال ضد مقاتلي “حزب الله”، وتوجيه ضربات لطرق الإمداد والمواقع اللوجستية، بينما يبقى الحزب ملتزمًا الصمت.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ليس فقط على الصعيد اللبناني، بل على الساحة العالمية أيضًا، هو: لماذا يتمسّك “حزب الله” بسلاحه رغم أن دوره المقاوم فقد شرعيته بعد اتفاق 27 تشرين الثاني 2024؟ وهل لا يزال هذا السلاح مبرَّرًا في وقت انتهت فيه الظروف المحلية والإقليمية التي دفعت إلى ظهوره أصلًا؟
السلاح الذي فقد شرعيته في الحرب
لقد أثبت السلاح الذي يمتلكه “حزب الله” عجزه عن تبرير وجوده في أكثر من مناسبة. ففي حرب الإسناد الأخيرة، لم يتمكّن هذا السلاح من حماية مقاتلي الحزب أو قياداته، بل أظهر عجزًا حتى في حماية الجنوب اللبناني، وهو الهدف الأساسي الذي كان يُفترض أن يعزّزه. بل إن بعض الآراء تؤكد أن استخدامه أدى إلى تدمير العديد من القرى في الشريط الحدودي مع إسرائيل، واحتلال نحو خمس تلال استراتيجية على الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، نجد أن الدولة اللبنانية اتخذت قرارًا حاسمًا يتمثّل في سحب السلاح غير الشرعي من الساحة. وقد كان هذا القرار واضحًا في اتفاق الطائف وفي العديد من الاتفاقات اللاحقة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الحكومة اللبنانية ترفع الغطاء الشرعي عن سلاح “حزب الله”، إلى جانب فقدان تأييد الأصدقاء والحلفاء الذين شكّلوا في السابق مظلة لهذا السلاح ضمن جبهة الممانعة.
أزمة السلاح وغياب الرد على الاعتداءات الإسرائيلية
على الرغم من الهجمات المستمرة التي تنفّذها إسرائيل ضد مواقع “حزب الله”، ومن بينها الضربات الموجَّهة إلى بنيته التحتية، لا يبدو أن هناك ردًّا حاسمًا من الحزب على هذه الاعتداءات. هذا الصمت المفاجئ يثير العديد من التساؤلات: هل يعاني الحزب أزمة داخلية حقيقية؟ وهل بات سلاحه عبئًا على الحاضنة الشعبية التي كانت تدعمه، خاصة بعدما بدا عاجزًا عن الرد الفعلي على التهديدات الإسرائيلية؟
من جهة، يدرك الحزب أن السلاح الذي يملكه لم يعد قادرًا على تحقيق الردع كما في الماضي. ومن جهة أخرى، قد يخشى أن يؤدي أي رد عسكري إلى تصعيد خطير يجرّ لبنان والمنطقة إلى حرب مدمّرة قد يدفع ثمنها الشعب اللبناني عامة، والطائفة الشيعية خاصة.
التهديدات والمناورات السياسية
في ظل هذه المعطيات، يرفع “حزب الله” صوته بالتهديدات تجاه الدولة اللبنانية، وتستمر لغة الوعيد في التصريحات الرسمية. ويتحدث قادته عن استعدادهم لتحويل المشهد القتالي إلى “كربلاء جديدة” دفاعًا عن السلاح. وهذا التصعيد يبدو محاولة لاستعراض القوة، لكنه في الواقع يعكس وجود أزمة حقيقية داخل الحزب بشأن مستقبل سلاحه ودوره في المعادلة اللبنانية والإقليمية.
واللافت أن الحزب يواصل تقديم نفسه كمدافع عن لبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، بينما الواقع يشير إلى أن السلاح لم يعد أداة دفاعية بقدر ما أصبح وسيلة ضغط على الدولة اللبنانية في سياق الأجندة الإيرانية المتداخلة مع مصالح الحزب. هذا التحوّل في الخطاب السياسي يعكس بوضوح محاولة الحزب إيجاد مبرّر لاستمرار وجوده العسكري في الساحة اللبنانية، رغم أن العديد من الأطراف الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، اتخذت قرارات حاسمة بشأن مستقبل سلاحه.
القرار الدولي والتصعيد المحلي
في الزيارة الأخيرة للمسؤول الإيراني علي لاريجاني، أطلق تصريحات لافتة حول السلاح في لبنان، حيث أكّد أن هذا السلاح يحتاج إلى تفويض إيراني مباشر. ما يعكس حقيقة أن “حزب الله” أصبح أداة في يد إيران أكثر من كونه حركة مقاومة لبنانية. هذه التصريحات قد تكشف رغبة الحزب في الحفاظ على السلاح كورقة ضغط في المفاوضات مع الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي، لتحقيق مكاسب خاصة.
لكن في الوقت نفسه، يدرك الحزب أن القرار الدولي قد حُسم بشأن مستقبل سلاحه، وأن المسألة لم تعد محصورة في لبنان فقط، بل باتت جزءًا من سياق أوسع يشمل الشرق الأوسط. ولذلك، يبدو أن الحزب يعتمد التصعيد السياسي لاستعادة بعض النفوذ المحلي والطائفي، والحصول على امتيازات داخل الدولة اللبنانية.
من خلال هذه التحولات، يتبيّن أن السلاح الذي كان يومًا أداة مقاومة، تحوّل إلى عبء على الحزب وعلى الشعب اللبناني. ولا يوجد مبرّر منطقي لاستمراره في ظل الظروف الحالية. كما لا يبدو أن هناك أفقًا حقيقيًا لحل هذه الأزمة من دون تدخلات دولية واضحة. وقد يكون المستقبل مرهونًا بتوافق داخلي لبناني وإقليمي يضع حدًّا لهذا الصراع، ويعيد للدولة اللبنانية هيبتها وسيادتها.


