ارتفعت الأقساط المدرسية مجددًا مع عودة النشاط التعليمي وعودة المدارس في الجنوب إلى الحياة، بعد أن نفضت غبار الحرب والدمار. فبعضها كان مهدّمًا، واليوم يستعد لاستقبال طلابه، لكن بكلفة إضافية تثقل كاهل الأهالي. وإذا كان القادرون على الدفع لا يتذمّرون، فإن أبناء الجنوب الذين هجّروا وقُصفت منازلهم يجدون أنفسهم أمام عواصف متلاحقة: خسائر مادية فادحة، بطالة متفشّية، دولة غائبة وتعويضات لم تُصرف بعد.
يؤكد مصدر خاص في وزارة التربية أن “الأساس بالنسبة للوزيرة هو منع بقاء أي تلميذ خارج المدرسة هذا العام، خصوصًا في القرى الأمامية التي تضرّرت جرّاء الأحداث الأخيرة”. ويوضح أن “التعليم عن بُعد لن يكون خيارًا مطروحًا هذه السنة، بعدما اعتمد عدد كبير من التلامذة على التعليم أونلاين في العام الماضي”.
ويبين المصدر أن “التلامذة في هذه المناطق ينقسمون إلى فئتين: قسم لا يستطيع العودة إلى قراه المدمّرة كليًا، وهؤلاء تستقبلهم المدارس القريبة من أماكن نزوحهم بقرار حاسم من الوزارة. أما القسم الآخر القادر على العودة، فيتوزع بين طلاب تبقى مدارسهم قائمة أو تحتاج إلى بعض الصيانة، وهؤلاء يعودون إليها فور تجهيزها. وفي الحالات التي تضرّرت فيها المدارس بشكل كامل، طلبت الوزارة من المديرين تأمين مبانٍ بديلة في القرى نفسها، لتتعاون معهم الوزارة وتعيد فتحها لاستقبال التلامذة”.
ويشير المصدر أيضًا إلى أن “وضع الأساتذة يُعالج على المنوال نفسه، إذ يتم توزيعهم بحسب مناطق نزوحهم، بحيث يلتحق كل أستاذ بالمدرسة الموجودة في مكان نزوحه، على غرار التلامذة. أما المديرون فلا يُستثنون من هذا التوزيع، بل يبقون بدورهم في المناطق التي ينزحون إليها لمواكبة العملية التعليمية، باعتبار أن هذا جزء من خطة الوزارة التي تفرض استمرار المدارس وعدم إقفالها مهما تكن الظروف”.
وفي ما يتعلق بالمدارس الخاصة وأقساطها، يلفت المصدر إلى أن “المرحلة الحالية انتقالية وصعبة، إذ تسعى هذه المدارس إلى العودة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، في حين يصرّ الأساتذة على تقاضي رواتب تُمكّن المؤسسات من الاستمرار، ما نشأ عنه نزاع بين الأهالي وإدارات المدارس على خلفية هذا الواقع”. ويوضح أن “ما يمكن للوزارة القيام به حاليًا، وقد أصبح في مراحله الأخيرة، هو استكمال تعيين المجالس التحكيمية التي تفصل في هذه الخلافات، بانتظار استكمال الإجراءات من وزير العدل”.
وبحسب المصدر: “الوزيرة تعمل على مواجهة هذه الأزمة الكبرى عبر إعادة الاعتبار إلى المدرسة الرسمية، بما يتيح لها استقطاب التلامذة وتأمين مستوى تعليمي يوازي ما يقدَّم في المدارس الخاصة، وبالتالي تخفيف الضغط والخلافات المرتبطة بالأقساط”.
في النبطية، يقول مدير مدرسة “أجيال” داوود حرب إن “هذا العام اضطرت المدارس الخاصة إلى زيادة الأقساط بعض الشيء، بعدما رفعت الدولة مستحقات الأساتذة والمدارس المخصّصة لصندوق التعويضات. وقد احتسبت الهيئة التعليمية هذه المستحقات على سعر الصرف في السوق، أي نحو 90,000 ليرة بدلًا من 15,000، كما سددت الدفعات للضمان على السعر نفسه. لذلك اضطرت المدارس إلى رفع الأقساط، وإن كانت الزيادات تُعدّ مقبولة نسبيًا وليست كبيرة جدًا”.
ويلفت إلى أن “في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، دفع هذا الواقع بعض الأهالي إلى نقل أولادهم، خصوصًا في صفوف ما بعد البريفيه، أي المرحلة الثانوية، من المدارس الخاصة إلى الرسمية التي شهد أداؤها بعض التحسّن بعد الأزمة. كذلك، تراجعت نسبة التسجيل في الروضات الخاصة في معظم المدارس، إذ بات الأهل إمّا يلجأون إلى الروضات الرسمية أو يمتنعون عن تسجيل أولادهم كليًا”. مشيرًا إلى أن “أما في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، فما زال الوضع على حاله، إذ يفتقد الأهالي الثقة بالمدرسة الرسمية، خصوصًا مع استمرار التعليم لأربعة أيام فقط في الأسبوع”.
وفي ما يتعلّق بأبناء المنطقة الحدودية، يقول حرب إنهم “توزّعوا بين المدارس الخاصة والرسمية، فيما بعضهم يتابع دراسته خارج المنطقة مثل صيدا. أما المدارس الخاصة ذات السمعة الجيدة، فما زالت أعداد طلابها شبه مستقرة ولم تتأثر كثيرًا، إذ إن نسبة الانتقال إلى التعليم الرسمي ما زالت محدودة نسبيًا”.
أما في المناطق المحاذية للشريط الحدودي، فيشير مصدر خاص إلى أن “الخطر لا يزال قائمًا في هذه المناطق، وبعض المدارس دُمّرت. أما التي استعادت نشاطها التعليمي، فقد فرغت من أبناء المناطق الحدودية الذين لجؤوا إلى مدارس داخل مدينة صور أو خارج الجنوب كالجبل وبيروت، وتستقبل فقط أبناء المنطقة ذاتها”.
في هذا المشهد، يعيش طلاب لبنان واقعًا مريرًا، تتنازع فيه أحلامهم بين حقّ التعليم ومرارة الظروف، ولا سيما أبناء المنطقة الحدودية الذين كانوا الخاسر الأكبر في الحرب وما بعدها.


