الحطب لم تُطفئه الحرب… والطلب عليه يزداد مع اقتراب الشتاء

نور فياض

بدأ موسم الحطب في الجنوب مع اقتراب فصل الشتاء، ويزداد الإقبال عليه مع تراجع توافر المازوت وارتفاع أسعاره. فالحطب أصبح بالنسبة إلى كثير من الأهالي وسيلة التدفئة الأساسية، خصوصًا في ظل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة.

تتفاوت أسعار الحطب وفقًا لنوعه وجودته، إذ يُعتبر حطب الزيتون واللوز من الأفضل والأغلى، فيما يلجأ البعض إلى أنواع أرخص لتغطية حاجاتهم.

يقول تاجر الحطب محمد أبو ريّا عبر موقع لبنان الكبير إن كميات الحطب المتوافرة هذا العام أقلّ من السنة الماضية، لكنها تبقى كافية لتلبية الحاجة إلى التدفئة، مشيرًا إلى أنّ سعر المتر الواحد يتراوح بين 70 و100 دولار بحسب النوع والجودة.

ويضيف أنّ هناك نقصًا ملحوظًا في حطب الليمون، إذ إنّ المزارعين وأصحاب الأراضي لم يتمكنوا منذ حرب الإسناد من تشحيل أشجارهم أو استبدالها بأشجار الأفوكا، بسبب تواصل الغارات أو وجود الألغام، وقرب الأراضي الزراعية من الشريط الحدودي، وحتى سرقة الأشجار أو حرقها أو جرف الأراضي. فهذه العوامل أدّت إلى تراجع كميّاته بشكل واضح.

ويشرح أبو ريّا: “هذا النقص لا ينعكس فقط على التدفئة، بل يمتد أيضًا إلى صناعة الفحم، إذ في السابق كنّا نخصّص جزءًا من الحطب لصناعة الفحم وجزءًا آخر للبيع للتدفئة. لكن هذا العام، ورغم أن الحطب متوافر وإن كان أقلّ من العام الماضي، إلا أنّ الكميات غير كافية لتغطية الصناعتين معًا، لذلك اتّجهنا إلى تخصيص الحطب للتدفئة فقط، وإن تبقَّ شيء يُستخدم لصناعة الفحم”.

أما عن جفت الزيتون الذي كان “الترند” في العام الفائت، فيشير إلى أنّه هذا الموسم نادر أيضًا، نتيجة ضعف موسم الزيتون في الجنوب.

ويوضح أبو ريّا أنّ الحطب الجنوبي لا يقتصر على الاستهلاك المحلي فقط، بل يُباع إلى مناطق أخرى كالبقاع وسائر المناطق اللبنانية، ما يجعله سلعة مطلوبة في مختلف أنحاء البلاد.

يقول أحد النازحين، الذي ترك منزله منذ بداية الحرب، إنّ “الحياة أصبحت صعبة بعد توقّف المساعدات وغياب الجمعيات، خاصة لمن يعيشون بعيدًا عن قراهم، إذ نعمل بأجور بسيطة لا تكفينا إلا للطعام والضروريات. لذلك صار كلّ واحدٍ يبحث عن الأرخص”.

ويضيف: “البعض لجأ إلى طرق التدفئة القديمة، لأنّ المازوت والغاز والحطب أسعارها نار. اليوم نتدفأ بالثياب والبطانيات، وحتى لو اشترينا القليل من المازوت أو الحطب، فالتدفئة محدودة جدًا، فقط لنقاوم البرد. على عكس ما قبل حرب الإسناد، إذ كنّا نشحّل الأشجار لنتدفأ، وكان يبقى الحطب من موسم إلى آخر، لكن اليوم راح البيت وراح الحطب، وبدل البرد بردين”.

وفي المقابل، يقول أبو عصام زيات، أحد سكان صور من ذوي الدخل المتوسط: “حتى أصحاب الدخل الجيّد يعانون في تأمين وسائل التدفئة، فالأسعار ارتفعت بشكل كبير، وبرميل المازوت أكثر من مئة دولار، وسعر المتر من الحطب لا يقلّ عن سبعين دولارًا. لذلك نحاول التوفيق بين الخيارات: نستخدم الحطب في الأيام العادية، والمازوت عند اشتداد البرد، لتخفيف المصروف قدر الإمكان. حتى الغاز لم يعد خيارًا سهلًا، فأسعاره ترتفع بشكل مستمر”.

ويتابع قائلًا: “صرنا نحسب كل ليتر وكل قطعة حطب قبل أن نحرقها، والدفء صار ترفًا. الناس تغيّرت أولوياتها، لم تعد تبحث عن الراحة بل عن البقاء”.

مع اقتراب الشتاء، يقف الجنوبيون مجددًا أمام معضلة التدفئة، وسط تصاعد أسعار الوقود. فقد ارتفع سعر برميل المازوت إلى 150 دولارًا، ما يجعل تكلفة التدفئة لعائلة واحدة تتجاوز 300 دولار في الموسم، مع احتمال ارتفاعها تبعًا لشدة البرد وفترة الاستخدام.

لا يزال الحطب، رغم ارتفاع سعره أيضًا والنقص في كميّته مقارنة بالسنوات السابقة، خيارًا أقلّ كلفة نسبيًا وأكثر طلبًا. ومع استمرار غلاء المعيشة، أصبحت “شعلة النار” حلمًا مهددًا في كثير من البيوت.

ورغم أن الحطب لطالما كان جزءًا من حياة الريف الجنوبي، إلا أنّه اليوم يميل إلى أن يكون متاحًا فقط للطبقات الميسورة، ما يزيد من معاناة العائلات الفقيرة والنازحة قسرًا، التي تواجه البرد بلا مأوى ثابت.

أمام هذا الواقع القاسي، يُطرح السؤال:

هل تشعل الأحزاب والجمعيات والبلديات نار المسؤولية، لتدفئ العائلات التي هجّرتها الحرب وتواجه الشتاء بجيوب فارغة ووعود باردة مثلها؟

شارك المقال