كان أول كتاب قرأته في حياتي هو «خوخة السعدان» للكاتب الراحل محمود السعدني. وقد كان مجموعة قصصية ممتعة لا تزال نسختها الأولى تحتل مكانها في مكتبتي حتى اليوم.
دفعتني متعة ذلك الكتاب إلى متابعة إصدارات مؤلفه وقراءتها أكثر من مرة. فكان قلم السعدني ــ إلى جانب سلسلة «روايات مصرية للجيب» لكاتبها الأشهر د. نبيل فاروق ــ أحد أهم الأسباب التي جعلتني أدمن القراءة، ولا أدري حتى الآن ما إن كانت تلك نعمة أم نقمة.
كان السعدني ــ رحمه الله ــ كاتبًا يتمتع بوهج نجم سينمائي في زمانه، لذلك كانت متعة مشاهدة مقابلاته وبرامجه التلفزيونية تضاهي متعة قراءة كتبه، وربما تزيد عليها. ومن بين كتبه العديدة، أخصّ بالذكر: سلسلة «مذكرات الولد الشقي»، «وداعًا للطواجن»، «حمار من الشرق»، «المضحكون»، والكتاب الأقرب إلى قلبي: «الموكوس في بلاد الفلوس».
كانت العلاقة بين السعدني وبين قارئه فريدة من نوعها؛ فقد كان قادرًا على أن يسافر بقرائه إلى أي زمان ومكان يشاء، ليعيش القارئ حياة السعدني ومشاعره وتجربته لا كمجرد متلقٍ، بل كمشارك ومتفاعل. فأصبح أصدقاء السعدني ــ كإبراهيم نافع وعبدالرحمن الخميسي وزكريا الحجاوي ــ أصدقاء للقارئ أيضًا، وأصبحت أسرته كأنها أسرة القارئ، وأصبحت حياة السعدني بأفراحها وآلامها ومنعطفاتها عمرًا إضافيًا نكسبه نحن القراء.
قبل نحو عامين، بدأت أتابع حلقات الأستاذ أكرم محمود السعدني على يوتيوب؛ وهي حلقات ثرية عن سيرة والده وسيرته هو أيضًا. وقد أعادت هذه المتابعة وصل ما انقطع من علاقة السعدنية، وأنعشت الذاكرة والمشاعر ببهجة السعدنية في السراء والضراء. وازدادت سعادتي عندما قرأت كتاب «مذكرات ابن الولد الشقي» لصاحب الحلقات.
وللكتاب حسنات كثيرة: فهو أولًا يحيي ذكرى السعدني الكبير من زاوية جديدة، وثانيًا يغطي في حياته ما لم يكتبه أو يقله، وثالثًا ــ وهو الأهم ــ أن كاتبه يمتلك موهبة صادقة في السرد والأسلوب.
ويبدو أن الكتاب الذي قرأته هو الجزء الأول من المذكرات؛ لذلك ما أرجوه في الأجزاء المقبلة هو مزيد من التركيز على قصة الكاتب نفسه، فحكايات السعدني الصغير هي بلا شك امتداد طبيعي لحكاية السعدني الكبير.
إن متابعة الحلقات ثم قراءة الكتاب تؤكد أن حياة محمود السعدني مادة خصبة لفيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني. ولعلّ أسرته الكريمة تعكف على هذا المشروع المهم الذي احتفظت به كتب السعدني الكبير ثم حلقات السعدني الصغير كمادة خام جاهزة. فهذه القصة الإنسانية النادرة والجميلة ــ رغم التباين السياسي في بعض المواقف ــ تستحق أن تُروى لجمهور أوسع.





يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.