أمارتيا سِنْ وأمين معلوف: الإنسان أكبر من هويته

نزار عثمان السمندل

خيطٌ واحد يمتد بين أمارتيا سِنْ وأمين معلوف، لكنه ليس خيطاً فكرياً فحسب؛ إنه قلقٌ قديم يسكن تاريخ البشر منذ تعلّموا تقسيم أنفسهم إلى قبائل وأديان وأعراق وأوطان.
قلقٌ يتعلق بالسؤال الأكثر خطورة: ماذا يحدث للإنسان حين ينسى اتساعه، ويقبل أن يُختصر في تعريفٍ واحد؟
في كتابيهما «الهوية والعنف»، لعالم الاقتصاد الهندي، و«الهويات القاتلة»، للأديب اللبناني ـ الفرنسي، تبدو الفكرة كأنها تُعاد كتابتها بلغتين مختلفتين.
يقترب الرجلان من الجرح نفسه من جهتين مختلفتين. أمارتيا سِنْ ينظر إليه بعين الباحث الذي يفتش في طبقات الفكرة، بينما يقترب أمين معلوف منه بقلب من عاش التمزقات التي تصنعها الهويات المتصارعة.
أحدهما يشرح آلية الحريق، والآخر يروي أثر النار على الوجوه والذاكرة. وبين الشرح والشهادة تتكوّن صورة شديدة الكثافة لعصرٍ تتكاثر فيه الأسوار أكثر مما تتناسل الجسور.

الإنسان، في نظر سِنْ، ليس رقماً في خانة واحدة. إنه تقاطعٌ دائم بين دوائر عديدة: لغة، وثقافة، ومهنة، وذاكرة، ومكان، وأحلام، وتجارب. غير أن العالم يميل دائماً إلى الإغراء الأسهل؛ اختزال هذا التعقيد في بطاقة تعريف واحدة. هناك تبدأ المأساة. فكلما ضاقت صورة الإنسان اتسعت مساحة الخوف منه. وكلما جرى رفع انتماء واحد إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، بدأت بقية الانتماءات بالتلاشي، وبدأت معها قدرة الفرد على رؤية الآخر بوصفه شريكاً في الإنسانية.
المشكلة لا تبدأ عند إطلاق الرصاص. الرصاصة تصل متأخرة دائماً. البداية الحقيقية تكمن في اللحظة التي يتحول فيها التعريف إلى قفص، والانتماء إلى قدر، والاختلاف إلى تهمة. عند تلك العتبة يولد العنف بصمت، ثم يكبر داخل اللغة قبل أن يجد طريقه إلى الشارع والحرب.
هنا يدخل أمين معلوف إلى المشهد. لا يكتب عن الهوية باعتبارها مفهوماً مجرداً، وإنما باعتبارها تجربة معيشة.
معلوف يعرف معنى أن يقف الإنسان بين لغتين، وبين ذاكرتين، وبين عالمين يطلب كل منهما ولاءً كاملاً. يعرف كيف يتحول سؤال الانتماء من مصدر غنى إلى مصدر قلق، وكيف يصبح الفرد رهينة تعريفات يصنعها الآخرون عنه. لذلك تبدو الهوية في كتابته كائناً حساساً؛ قادرة على أن تمنح صاحبها الشعور بالأمان، وقادرة أيضاً على دفعه نحو الانغلاق والخصومة إذا جرى التعامل معها كحقيقة وحيدة.
ما يجمع الكتابين أعمق من مجرد الدفاع عن التعددية. إنهما يقدّمان نقداً جذرياً لفكرة النقاء برمتها. فالنقاء الثقافي، والنقاء الديني، والنقاء القومي، ليست سوى أوهام صنعت أكبر الكوارث في التاريخ.
البشر لم يعيشوا يوماً داخل حدود صافية. الحضارات ذاتها وُلدت من الاختلاط والتفاعل والتأثير المتبادل. وكل محاولة لعزل الإنسان داخل هوية صلبة تشبه محاولة تجميد نهرٍ متحرك؛ قد ينجح الجليد مؤقتاً، لكنه يحمل في داخله بذور الانفجار.
لهذا تبدو رسالة سِنْ ومعلوف أقرب إلى دفاعٍ عن حق الإنسان في أن يكون أكثر من شيءٍ واحد في الوقت نفسه. أن يكون ابن مكانٍ ما، دون أن يعادي الأمكنة الأخرى.
أن يحمل عقيدة دون أن تتحول إلى سلاح.
أن ينتمي إلى جماعة دون أن يفقد قدرته على رؤية بقية الجماعات.
في عالمٍ تتصاعد فيه الشعبويات، وتنتعش فيه خطابات الفرز والاستبعاد، تكتسب هذه الفكرة طابعاً ملحّاً. فالمعركة الكبرى لم تعد تدور حول اختلاف الهويات بقدر ما تدور حول الطريقة التي نفهم بها تلك الهويات. كلما اتسعت الرؤية تراجعت احتمالات العنف، وكلما ضاقت تحولت الحدود النفسية إلى متاريس حقيقية.
بهذا المعنى، يلتقي أمارتيا سِنْ وأمين معلوف عند دفاعٍ نبيل عن تعقيد الإنسان. الأول يمنح القارئ أدوات الفهم، والثاني يمنحه حساسية الشعور.
الأول يفسر كيف يُصنع الاختزال، والثاني يكشف كلفته الإنسانية.
وبين العقل الذي يحلل والقلب الذي يتذكر، تتشكل حقيقة بسيطة وعميقة: الإنسان أكبر دائماً من الاسم الذي يُعلّق على صدره، وأوسع من الهوية التي يحاول العالم حبسه داخلها.

شارك المقال