بعد 4 سنوات “اتجنب المرور من جانب المرفأ”… شهادات يرويها ناجون لموقع “لبنان الكبير”

فاطمة البسام

“الرابع من آب”، لا يمكن أن يمر هذا التاريخ مرور الكرام في ذاكرة اللبنانيين عموماً، وفي ذاكرة من كانوا في موقع الحدث وكتب لهم أن يظلوا أحياء مع ندوبهم، بعد أربع سنوات من اللاعدالة والتضليل في ملف يجب أن يكون الحكم المخفف فيه “الاعدام”.
يمكننا أن نجزم بأن صوت دوي الإنفجار محفوظ في داخل كلّ من عاش تلك اللحظات المرعبة التي لا يمكن وصفها، وعند إقتراب “الرابع من آب”، تنتعش تلك الذكريات التي مضت عليها أربع سنوات ولم تندمل، فكيف بمن ترك ذلك النهار ذكرى أو علامة على جسده؟

علي ناصر، ناج من التفجير، يقول لموقع “لبنان الكبير”: “حتى اليوم أتجنب المرور من جانب المرفأ، وأسلك الطرق الداخلية لمنطقة الأشرفية”.

لا يحب علي أن يغوص في ذكريات اليوم المشؤوم، فيتحسس الندبة على صدره التي تركها الركام المتطاير عليه وهو في عمله، في قصر سرسق الذي يبعد دقائق عن مكان الحدث. ويضيف: “مازلت أتناول أدوية للدوخة بسبب الإصابة البالغة التي تعرضت لها في رأسي وكان من الممكن أن تقتلني، وبعد أربع سنوات، كلّ يوم يزيد فهمي لعبارة تنذكر وما تنعاد”.

بالنسبة الى علي، تبدأ الأصوات التي سمعها والمشاهد التي رآها تتساقط عليه عشية الذكرى، وكأنها اليوم، أمّا المذنب في هذا البلد، فلا أحد يحاسبه.

“آخر كلمة قالتها جاكو، الله يسترنا من إسرائيل”، لا يمكن أن تتجاوز هذه العبارة التي كانت الأخيرة لجاكلين الممرضة (57 عاماً) التي قضت وهي إلى جانب زميلتها باتريسيا أو باتو كما يسميها أصدقاؤها، في قسم الأمراض السرطانية بمستشفى الوردية في الشارع المقابل للمرفأ.

يمكنك أن تشعر بكمية الأسى في نبرة باتريسيا وهي تتسلل إليك أثناء حديثها على الهاتف مع موقع “لبنان الكبير”، وتروي اللحظات التي سبقت التفجير: “كنّا عم نشرب سفن آب وناكل شوكولا أنا وجاكو”.

تقول سمعنا صوت الدوي الأول، ركضنا نحو النافذة لنستطلع الأمر ظناً منّا أنها غارة حربية قالت جاكلين جملتها الأخيرة، وقذفنا الإنفجار الثاني كلّ واحدة بإتجاه قبل أن نصل.

لا يمكن للكلمات أن تعبّر عن الصدمة التي عاشتها الممرضة الأربعينية لكنها تصر على القول: “أنا قوية”. لا تعلم كيف نهضت عن الأرض وركبتها مهشّمة، لكنها تجزم بأنها لم تكن تشعر بأي ألم، فقط أرادات الاطمئنان الى صديقتها التي وجدتها قد فارقت الحياة.

ثلاث سنوات أقعدتها الإصابة، لتقرر قبل أشهر أن تعود إلى العمل، داخل مختبر، فالذكرى التي تحملها باتريسيا جعلتها تكره المستشفيات.

بوب الشاب الثلاثيني ذو الجسد المشظى، والذي نجا بأعجوبة بحوض مكسور، كان يعمل وقتها في محطة للحاويات بجانب العنبر 12.

عندما تذكر رقم العنبر لا يمكن أن تتصور أن أحداً خرج منه وهو على قيد الحياة، لكن ابراهيم نجا وزميله الذي فقد عينه، وأطرافه، عندما قذفهما الإنفجار من العنبر 13 إلى العنبر 15، أثناء ذهابهما لرؤية مصدر النيران التي اندلعت.

12 من زملاء بوب قضوا، وكان يتحدث إلى بعضهم قبل لحظات من حلول الساعة السادسة و7 دقائق وهو التوقيت التي غيّر حياتنا إلى الأبد.

ويوضح أنه “على الرغم من التفجير الذي قضى على حوالي 80% من المرفأ القديم، شركة الحاويات التي كان يديرها استطاعت أن تعمل بعد 3 أيام”، وهنا أراد أن يشير إلى أن المرفأ لم يتعطل حتى في أحلك الظروف، على عكس ما روّج، أنه غير صالح للخدمة.

المتحدث باسم أهالي ضحايا وجرحى المرفأ، ابراهيم حطيط، يؤكد لموقع “لبنان الكبير”، أن عدد الجرحى الذين ما زالوا يعانون حتى اليوم من إعاقات كلّية وجزئية لا يقل عددهم عن الـ120 شخصاً بحسب احصاءات التجمع، وهم مهملون، ويعيشون ظروفاً صعبة مثل أي لبناني، فكيف إذا كانوا معوّقين؟

ويذكر حطيط بأن بعض هؤلاء الجرحى توفى لأنه لم يحصل على العلاج اللازم من المؤسسات المعنية، وعدد كبير منهم يخضع للعمليات حتى اليوم بسبب الإصابات التي تعرض لها في أماكن عمله، بيوته أو على الطرق.

وكي لا ننسى، إنفجار 4 آب، أو كما أطلق عليه البعض اسم “بيروتشيما” نسبة الى الإنفجار النووي الذي وقع في مدينة هيروشيما، الإنفجار الذي هزّ قلوبنا قبل العاصمة، والذي سنتذكره عبر الأجيال، وراح ضحيته أكثر من 220 قتيلاً، وتسبب في إصابة أكثر من 6500 شخص، وقضى على نصف أحياء مدينة بيروت.

شارك المقال