اختار الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب رجل الأعمال إيلون ماسك ومرشح الرئاسة السابق فيفيك رامسوامي لقيادة مؤسسة استشارية غير حكومية سوف يتم إنشاؤها بغرض الرقابة على كفاءة الحكومة، وهو تعيين أثار الجدل بسبب ما قد يكون تضارباً لماسك مع أعماله، وستتسلم الادارة الجديدة الدفة في 20 كانون الثاني المقبل.
لم يكن ماسك يوماً داعماً للجمهوريين، فقد اعتاد أن يصوّت بصورة حصرية للديموقراطيين، منذ أن أصبح مواطناً أميركيّاً عام 2002، ووصلت علاقته بهم إلى درجة أنه أصبح مقرباً من الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما والتقى به مرات عدة.
وسبق له أن خاطب ترامب في العام 2022 من خلال حسابه على منصة “إكس” قائلاً: “لا أكره الرجل، لكن حان الوقت لترامب لكي يرتدي قبعته ويبحر مع شمس الغروب”. وقال أيضاً إنه ينبغي للمنتمين الى الحزب الديموقراطي التوقف عن الهجوم على ترامب، لأن هجومهم عليه وجعله مثيراً للجدل ووضعه في محور النقاش العام هو ما يجعله يستعيد القدرة على البقاء في دائرة الضوء.
وبقي ماسك ديموقراطي الهوى حتى العام 2023، حين أعلن أنه لن يصوّت لجو بايدن مجدداً، ولكنه تحفظ عن التصويت لترامب، واعتبر الأمر “خياراً صعباً جداً”. كما دعم رون ديسانتيس المنافس الرئيسي لترامب أثناء المنافسة للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لخوض السباق الرئاسي 2024.
وفجأة بعد محاولة اغتيال ترامب، تحوّل ماسك إلى داعم أسطوري له، وأنفق أكثر من 130 مليون دولار لدعمه (وفق تقديرات “سي إن إن”)، وشكل لجنة عمل سياسي باسم “America PAC” وظيفتها حشد التأييد لترامب، ودعوة الناخبين الى التصويت له، لدرجة أنه قدم مليون دولار، من خلال لعبة سحب يومي، لأي ناخب مسجل في الولايات المتأرجحة يوقع على عريضة تدعم التعديلين الأول والثاني للدستور اللذين ينصان على حرية التعبير وحق حمل الأسلحة (وهي الحقوق التي يشدد عليها الجمهوريون وأنصار ترامب).
ولكن ما الذي غيّر رأي أغنى رجل في العالم ليصبح من داعمي ترامب؟
يبدو أن تدخلات الهيئات التنظيمية ومراقبتها الدقيقة لأعماله أشعلت غضب ماسك ضد إدارة جو بايدن، إذ خضعت شركاته للتحقيق والغرامات من الوكالات الحكومية المختلفة، مثل لجنة الأوراق المالية والبورصات وإدارة السلامة والصحة المهنية وحتى وزارة النقل. وشأنه شأن كثير من رواد الأعمال، يرغب ماسك في تخفيف سيطرة الدولة وتدخلاتها في مجال الأعمال، إذ يرى أنها غالباً ما تكون خرقاء وبيروقراطية وتعطل عجلة الإنتاج.
ويرغب ماسك في التخفيف من تدخل الحكومة في مجال أعماله، لا سيما المتعلقة باستكشاف الفضاء، لأنه يراها “تعوق الابتكار”.
والعديد من عمالقة وادي السيليكون أصبحوا يميلون نحو اليمين شيئاً فشيئاً، نفوراً من السياسات الاقتصادية التي يتبناها الحزب الديموقراطي مثل قوانين مكافحة الاحتكار وضريبة “المليارديرات” التي اقترح بايدن تحصيلها من الأثرياء. بالاضافة إلى ذلك بدأ هؤلاء الأثرياء يجنحون نحو “معاداة الديموقراطية”، بحيث لم يعودوا يرون أنها “صديقة لأعمالهم”، وقد باتوا يشعرون بوفاق أكبر مع نزعات ترامب السلطوية وميله الى امتداح الحكام الديكتاتوريين في العالم.
بالعودة إلى ماسك، على الرغم من أن شركته “سبيس إكس” حصلت في عهد بايدن على عقود بمليارات الدولارات، إلا أنها عانت مشكلات جمة مع السلطات الفيدرالية، تحديداً من جهات العمال والثروة السمكية والحياة البرية الأميركية، بعد اتهام ماسك بارتكاب انتهاكات في مجالات العمل والبيئة، وكذلك اشتبك مع لجنة الاتصالات الفيدرالية “اف سي سي” بسبب إلغاء صفقة “ستارلينك” للانترنت الفضائي، التي تبلغ قيمتها 900 مليون دولار.
نجح رهان ماسك على ترامب، الذي نفذ وعوده للملياردير، وشكل “لجنة كفاءة للحكومة”، وبحسب الموقع الاخباري الأميركي “فوكس”، فإن تلك اللجنة ستعمل على خفض ميزانية العديد من الهيئات التنظيمية لعالم الأعمال بهدف رفع كفاءة الحكومة، لكن الكثيرين يتوقعون أن تكون هذه اللجنة وسيلة لماسك للتخلص من الهيئات التي كانت تلاحق شركته، في ما يبدو أنه تحالف بين ترامب والأباطرة والشركات ضد مصالح العمال والمستهلكين.
ويتوقع موقع “نيوزويك” أن يعود التنظيم الجديد على ماسك في النهاية بعشرات المليارات من الدولارات من الاعفاءات الضريبية التي تتسق مع سياسات ترامب لتقليص الضرائب على الأثرياء والشركات.
ويشكل دعم ماسك لترامب الفائز هاجس خوف على الديموقراطية في العالم، حيث يمكن أن يقرر الأثرياء سياسات الدول على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة، التي تشكل العدد الأكبر في البلاد، لا سيما أن هناك في العالم اليوم أصلاً نظرية مؤامرة “حكومة العالم الخفية”، وتشير إلى ما يعتقده كثيرون بوجود “حكومة سرية” تتحكم في أحداث العالم تخطيطاً وتنفيذاً، بما يحقق مصالح قوى عالمية نافذة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وإعلامياً، وتستخدم في ذلك وسائل وهياكل سرية المضمون دائماً وإن كانت أحياناً علنية التنظيم، وتوصف هذه “الحكومة الخفية” عند المؤمنين بوجودها بأنها “حكومة العالم العميقة” التي تنظم تقاسم ثروات العالم والنفوذ فيه، وقد يطلق المصطلح أحياناً داخل دولة ما للدلالة على “قوى خفية” مسيطرة على رسم سياساتها وصناعة قراراتها التي تتخذها علناً “الحكومة الظاهرة”.
يظن الكثيرون أن استيلاء ماسك على تطبيق “تويتر” حصل وليد اللحظة، ولكن الفضاء الرقمي، هو مستقبل العالم، وعلى الرغم من هامش الحرية الواسع فيه، إلا أن هناك بضع شركات تسيطر عليه فعلياً، أبرزها “فايسبوك” و”اكس” (تويتر)، ويعد الأخير أبرز منصة لمتابعة الأخبار في العالم، ومن يسيطر عليه قد يمكنه السيطرة على ما يريد للجمهور أن يراه، ما يعطيه نفوذاً كبيراً بالتأثير في السياسات الأميركية، وغيرها ممن قد يطلب خدماته.
وتحارب دول مثل الصين وروسيا سيطرة “تويتر” عبر فرض تطبيق “تيلغرام” الذي يعتبر المصدر الأساسي للأخبار فيها، وبالتالي يبدو أن الحروب العالمية المقبلة ستكون في الفضاء الالكتروني أكثر من المواجهات العسكرية التقليدية، وسيكون لماسك نفوذ كبير في العالم.


