الدولة القوية… ملاذ الشيعة

محمد شمس الدين
لبنان

تتأثر الطوائف في لبنان تاريخياً بالتحولات التي تحدث حول بلدها. فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهاء فترة الاستعمار في المنطقة، دخل العالم مرحلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. منذ ذلك الوقت، انقسم اللبنانيون في مواقفهم: البعض رأى أن الاعتماد على الغرب هو مصلحة لبلدهم، بينما اعتبر آخرون أن الغرب هو مصدر الويلات والاستعمار، فانخرطوا في الجبهات الأمامية لمقاومته.

ولعل أكثر ما زاد الأمور تعقيداً هو قيام الكيان الاسرائيلي، ربيب أميركا والغرب، واندلاع الصراع العربي – الاسرائيلي. وجد لبنان نفسه ضائعاً في هويته، ومع نهاية مرحلة الحروب الكبرى التي كانت مصر جزءاً منها بعد اتفاق “كامب ديفيد”، انقسم اللبنانيون مجدداً، ما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية التي تدخلت فيها قوى دولية وإقليمية. من أبرز تلك المحطات كان الاجتياح الاسرائيلي الذي مال بالكفة لصالح الغرب، قبل أن تعود الأمور إلى التعقيد مع انطلاق عمليات المقاومة في ظل الوجود السوري في لبنان، الذي حلّ محل النفوذ الفلسطيني.

تغيّرت أولويات الدول مع اجتياح الرئيس العراقي صدام حسين للكويت، بحيث قُدم لبنان إلى سوريا كجائزة لمشاركتها الظاهرية في حرب الخليج ضد العراق. أدى ذلك إلى ميل الكفة مجدداً لصالح المحور المناوئ للغرب، على الرغم من أن اتفاق الطائف لم يعطِ هذه الأفضلية. لكن بسبب انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى، تُرك لبنان تحت الوصاية السورية.

في تلك المرحلة، شعر الموارنة بأنهم تعرضوا لضربة قاسية، ما دفعهم إلى رفع شعار الدولة كضمانة لحقوقهم وسط تغيّر التوازنات الاقليمية والداخلية، سواء الطائفية أو الديموغرافية. في المقابل، تبنّت أيديولوجية “حزب الله”، صاحب التمثيل الشيعي الأكبر، منطق الارتباط بالخارج عبر المحور الايراني. وعلى الرغم من أن حركة “أمل”، الطرف الشيعي الآخر، فضّلت منطق الدولة، إلا أنها لم تستطع مقارعة “حزب الله” في هذا السياق لعدة أسباب. وتُروى حكايات عن نصائح وجهها رئيس الحركة ورئيس مجلس النواب نبيه بري إلى “حزب الله” لاتباع نهج وسطي بشأن الارتباط المحوري، والتي كان الحزب يتلقاها بصدر رحب، لكنه يعتبر أن العدوانية الاسرائيلية تفرض عليه هذا الارتباط، بعيداً عن أيديولوجيته.

تعقدت الأحداث منذ التحرير عام 2000 وظهرت الخلافات، خصوصاً بين النظام السوري وبعض الأركان اللبنانية، لتنفجر مع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. تبعتها حرب إسرائيلية عام 2006 اعتبر “حزب الله” نفسه منتصراً فيها، ثم اشتباك داخلي في 7 أيار، إلى أن جاءت تسوية اتفاق الدوحة. لكن سرعان ما اختلطت الأوراق مجدداً مع اندلاع “الربيع العربي” وتدخل الحزب في الحرب السورية، ما ساهم في صمود النظام. مع دخول روسيا إلى المشهد، نسف أي إمكان لإسقاط النظام، ما عزز موقع الحزب كأقوى تنظيم تابع للمحور الايراني في المنطقة.

فرض “حزب الله” معادلات داخلية بفضل قوته، كان أبرزها إيصال حليفه ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. لكن مع نهاية ولاية عون، عادت الخلافات ورفعت القوى المارونية شعار الدولة في وجه الحزب.

اليوم، مع تطورات مثل نتائج حرب غزة وسقوط النظام السوري وضعف المحور الايراني عموماً، يقف لبنان عند منعطف جديد. قد لا يجد الشيعة بديلاً سوى رفع شعار الدولة والانضواء تحت مظلتها فقط، من دون ربط أنفسهم بمحاور خارجية. لكن هذا التحول لن يتحقق بالشعارات فقط، بل يحتاج إلى ضمانات حقيقية لدور الشيعة في لبنان، بالاضافة إلى ردع إسرائيل عن محاولات استفزاز الجنوب اللبناني وفرض سلطتها عليه.

هذا يتطلب حواراً داخلياً وضامناً إقليمياً، بل أكثر من ذلك، توجه الشيعة نحو مظلة الدولة لا يمثل مصلحة لبنانية عموماً وشيعية خصوصاً فحسب، بل قد يكون أيضاً مصلحة إقليمية ودولية لكبح التمدد الايراني. أما إذا استغل بعض الأطراف الداخلية والخارجية هذا التحول لمحاصرة الشيعة، فإن ذلك سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وإن نجح موقتاً في محاصرتهم، فإن التحولات الاقليمية والدولية قد تُعيد دورة الصراع إلى الواجهة.

الدولة تبقى الضامن الوحيد فعلياً لأي مكون لبناني، مهما كانت الظروف في صالحه في فترة من الفترات. الفرصة اليوم ذهبية للبنان لبناء دولة حقيقية، لكن التاريخ اللبناني يعلمنا أن الفرقاء في لبنان غالباً ما يستغلون لحظات ضعف شركائهم في الوطن. فهل تضيع الفرصة مجدداً أم يمهّد اللبنانيون الطريق لبناء الدولة؟

شارك المقال