من يمكن أن يكون الرئيس اللبناني المقبل؟
“أحصنة” كثيرة وفرسان كثر، لكن السباق نحو بعبدا ليس مضموناً لأحد ما دامت لائحة المرشحين تفتقر الى مرشح يملك القدرة على اجتراح المعجزات، والجرأة على خوض المواجهات المباشرة، وما دام كل فارس يرفض أن يخرج مهزوماً أو أن يضع رهانه على فرس عرجاء أو على الأقل فرس غير أصيلة.
وقد يكون في هذا المشهد الكثير من الشاعرية، لكنه يمثل في الواقع حقيقة ما يجري خلف الكواليس وتحت الطاولات بين طرف ممانع لا يريد رئيساً يضرب على الطاولة، وطرف سيادي لا يريد رئيساً يفرك يديه ويضرب على صدره.
والسؤال هنا، ماذا بعد؟ وماذا يمكن أن يحدث في التاسع من الشهر الجاري؟ وماذا في خلفيات الكتل النيابية والحزبية وفي جعبة الوفود العربية والأجنبية التي تهرع الى لبنان عشية الاستحقاق الذي ينتظره اللبنانيون منذ أكثر من عامين، في محاولات ترمي ضمناً الى التقاط اللحظة والحصول على مرجعية رئاسية لا يكون نصفها في بعبدا ونصفها في طهران، أو لا يكون نصفها في بعبدا
ونصفها في واشنطن؟
السؤال أيضاً، هل هناك مرشح يستطيع أن يكون كياناً مستقلاً في بعبدا يهابه الجميع ولا يهاب أحداً، أو على الأقل مرشح يقرأ الأحداث جيداً ويدرك أن ما كان يجوز قبل “الثامن من تشرين” لا يجوز بعده، وأن الطريقة التي كان يتم بها تدوير الزوايا باتت طريقة بائدة لا تصلح في مرحلة تحتاج الى من يتخذ القرارات لا من يتحاشاها أو يدور حولها؟
في اختصار، ينقسم لبنان بين فريقين، فريق يتمسك بمرشح يستطيع به الالتفاف على القرار ١٧٠١، أو على الاقل التعامل معه كما تعاملت الحكومات المتعاقبة مع القرار ١٥٥٩ وهو فريق “حزب الله” الذي لا يزال يؤمن بأن الوقت لا يزال في مصلحته، وفريق يبحث عن رئيس صلب يمضي بتطبيقه من دون تردد، معتبراً أن الوقت قد يفلت من يده.
وليس من قبيل المصادفة أن تتبع الحكومة اللبنانية التي يسيطر عليها محور الممانعة سياسة المماطلة في الجنوب، وهي السياسة التي تبقي اسرائيل هناك وتعطي “حزب الله” مبررات الاحتفاظ بالسلاح لا بل مبررات الرد على الخروق الاسرائيلية وإشعال الحرب من جديد، وهو ما لمح اليه الشيخ نعيم قاسم في طلته الأخيرة، محذراً ضمناً من أن البحث عن رئيس يوقع على نزع سلاحه لن يمر ما دام يملك المبرر والهدف.
وسواء تفعل الحكومة ذلك طوعاً أو قسراً، فثمة تململ عربي وأميركي مما يجري، وثمة كلام كثير على احتمال تأجيل الاستحقاق الرئاسي في انتظار تطور ما قد يعيد خلط الأوراق من جديد، ويفتح أبواب البرلمان أمام وجوه ورهانات جديدة.
وتكشف مصادر ديبلوماسية، أن الوفد الفرنسي الذي حطّ في بيروت على عجل حاول تسويق مرشح لا يزعج ايران من جهة ويحظى بغطاء مسيحي من جهة ثانية هو سمير عساف القريب من النائب جبران باسيل، وأن الوفد السعودي الذي قرر في ما يبدو الخوض في اللعبة الرئاسية في ربع الساعة الأخير، يسعى الى مرشح يسحب لبنان من القبضة الايرانية ويعيده الى الحظيرة العربية، بالتزامن مع عودة سوريا الجديدة الى هذه الحظيرة بعد اثنين وخمسين عاماً من حلف سوري – ايراني أربك الاجماع العربي مرات عدة وفي مفاصل حرجة كثيرة.
وحده الناخب الأميركي، سواء كان جو بايدن قبل أيام من تقاعده أو دونالد ترامب، يملك القدرة على رسم معالم الرئيس المنشود سواء في التاسع من الجاري أو في أي توقيت آخر، ليس لأنه يملك الغالبية المطلوبة في برلمان مركب، بل لأنه الطرف الذي يملك سلاحين ماضيين هما وضع العقوبات على أحد أو رفعها عن أحد آخر، وكل كلام على سلاح مختلف ليس الا عملاً من أعمال التنجيم.
وانطلاقاً من هذا الأمر، يخطئ من يظن بعد كل الضربات التي تلقتها ايران مباشرة أو عبر حلفائها، والضربات التي يمكن أن تتلقاها في اطار الصراع المستمر مع اسرائيل والغرب، أن واشنطن يمكن أن تخلي أي ساحة في الشرق الأوسط لأي سلطة لا تواليها أو لا تملك فيها ما يكفي من نفوذ وتأثيرات.
ويذهب مصدر ديبلوماسي غربي بعيداً الى حد القول ان الانفتاح الأميركي السريع على أحمد الشرع في دمشق لا يمكن أن يقابله في لبنان حكم منفتح على ايران أو متعاطف أو متساهل مع “حزب الله”، مشيراً الى أن الانتشار العسكري الأميركي في كوباني الكردية وفي مواجهة تركيا الأطلسية، يعني أن أي ادارة أميركية لن تكون متساهلة في لبنان مع “بعبدا ايرانية” أو مع أي سلطة لا تخرج من رحم القرار الدولي المسرع نحو شرق أوسط جديد.


