ترجمت إسرائيل بقرارها العزم على إبقاء قواتها في جنوب لبنان الى ما بعد مهلة الـ 60 يوماً التي انتهت الأحد (كما كان مقرراً في اتفاق وقف إطلاق النار) بإطلاق النار على العائدين الى قراهم إثر انتهاء المهلة، فقتل 22 شخصاً، وجرح أكثر من 120 من العائدين، ما “فرمل” العودة “الدموية” الكاملة إلى القرى الحدودية، كما كان مأمولاً، فيما الجيش اللبناني يستمر في تطبيق خطّة الانتشار، بالتنسيق مع اللجنة الخماسية المشرفة وقوة الأمم المتحدة “اليونيفيل”، وواكبت وحدات منه دخول الجنوبيين إلى 7 بلدات، إضافة إلى مناطق حدوديّة أخرى، وسط إمعان إسرائيلي في خرق سيادة لبنان، والاعتداء على المدنيين.
وعلى الرغم من الاعتداءات الاسرائيلية، فإن ذلك لم يحد من “إندفاعية” الأهالي لاستعادة الأرض بعزيمة وثبات، فتخطوا السواتر الترابية والعوائق التي رفعها الجيش الاسرائيلي، واعتبروا أنفسهم غير معنيين بما أعلنته حكومة بنيامين نتنياهو عن حاجتها إلى شهر إضافي على الأقل للانسحاب من الأراضي اللبنانية. وبذلك، فرض أهالي الجنوب واقعاً جديداً، قوامه “المقاومة الشعبية للاحتلال”، من خلال إجبار جنود العدو على التراجع ودخلوا قسماً كبيراً من الأراضي التي كان الجيش الاسرائيلي يرفض مغادرتها، وتجاوز عدد كبير من سكان البلدات الجنوبية الألغام والأجسام المشبوهة التي خلّفتها الحرب، وتوافدوا إلى قراهم، وسط زغاريد النسوة وتكبيرات الشيب والشبان، لتأكيد الحق اللبناني فيها والسيادة عليها، محققين بأجسادهم الخالية من أي سلاح، ما عجزت عنه ترسانة “حزب الله” (التي جهزها على مدى 18 سنة بعد حرب تموز 2006)، وأدت إلى نتائج كارثية على لبنان والجنوب تحديداً والحزب نفسه، فهم لن يخنعوا لقرارات اسرائيل التي تعيد بنا المشهد الى ما قبل العام 2000 حين كانت تحتل هذه المناطق وتضرب الناس وتعتقلها وتقتلها وتشردها خارج بيوتها ومناطقها، وهذا نهج تكرره منذ العام 1948، ولقد جرّبه الجنوبيون أكثر من مرة ولذلك لن يقبلوا بغير العودة الى بلداتهم وقراهم، وببقاء مواقع أو مراكز للإسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية.
وبعد نهار دامٍ جنوباً، جراء ثبات أهالي الجنوب بالعودة إلى بلداتهم وقراهم بمعمدانية الدماء التي رووا بها أرضهم بالعزيمة على التمسك بها، دفع “حزب الله” ليلاً بـ “كتيبة الدراجات النارية” الى الاحتفال الاستفزازي بـ”النصر الوهمي”، بحيث جابت مناطق بيروت حاملة أعلام الحزب وشعارات دينية، مطلقة العنان لهتافات فئوية، وكأنها تسير على طريق القدس، الذي سقط عليه آلاف اللبنانيّين، مع الإبقاء على هذه المقولة مجرد شعار للمتاجرة بالقضية الفلسطينية، وتناسى الحزب أن أبناء تلك المناطق هم الذين استقبلوهم قبل أشهر قليلة أثناء الحرب، وفتحوا لأهلهم من أبناء الجنوب والضاحية قلوبهم قبل بيوتهم!
هذا السلوك المشين للحزب الذي جاء بفعل قرار من قيادته، قبل أن تجف دماء الجنوبيين “المجانية” الذين سقطوا على يد جنود العدو، يثبت أن الحزب في أزمة مع نفسه قبل بيئته وجمهوره، وكأن شهداءه وجرحاه صاروا مجرد حاجة له ليستثمر ويبتز بهم لتعزيز حضوره في المعادلة السياسية الداخلية، تعويضاً عما خسره على الصعيد العسكري ميدانياً، وسط عرقلة إنطلاقة العهد الجديد المعوّل عليه داخلياً وخارجياً، من خلال “زرع الألغام” أمام طريق الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نواف سلام، الذي رفض بالتضامن والتكافل مع رئيس الجمهورية جوزاف عون إعطاء “الثنائي الشيعي” ما إصطلح على تسميته بعد مؤتمر الدوحة بـ “الثلث المعطل”، فضلاً عن التوجه الى عدم تضمين البيان الوزاري أي إشارة لمعادلة “جيش – شعب – مقاومة”، التي أسقطها الأحد أهل الجنوب بأنفسهم، من خلال تصيدهم ذاتياً وبرد فعل عفوي من دون إنتظار أي تعليمات من الحزب لقرار العدو الاسرائيلي البقاء في أرضهم.
وأكدت مصادر سياسية متابعة أن المسيرات السيّارة “المقززة” التي لم تراعِ الدماء التي كانت تسيل في الجنوب، والتي جابت شوارع بيروت، هي رسالة الى رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، لتأكيد قدرة الحزب على “قلب الطاولة” من خلال النزول الى الشارع على غرار السابع من أيار “المشؤوم” وعراضات “القمصان السود”، على الرغم مما تعرض له جراء حرب “الإسناد” من خسائر، ما يجعله مسكوناً بهاجس أن بقية القوى السياسية تتعاطى معه على أنه مهزوم، بهدف الإلتفاف على نتائج الواقع الذي إستجد، في محاولة للإبقاء على المعادلة السابقة، التي أطاحتها المتغيرات والتحولات في لبنان والمنطقة.
مشهدية الأحد الممتدة من الجنوب إلى بيروت أكدت بما لا يقبل الشك، أن الجنوبيين هم أصحاب القضية وأصحاب الحق من خلال إطلاقهم “المقاومة الشعبية” في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، مسقطين معادلة “جيش – شعب – مقاومة”، التي تجاوزها الزمن، وأسقطها “حزب الله” نفسه قبل سواه بعدما أثبتت عدم جدواها خلال الحرب “الثالثة”، وبعدما إنتهكها بممارساته “الشاذة”، ناقلاً ما يطلق عليه “مقاومة” من الجنوب الى “زواريب” بيروت.


