لتعطيل مفاعيل “الدوحة” والعودة إلى “الطائف”

زياد سامي عيتاني

شكل “إتفاق الدوحة” عام 2008، نهاية لأزمة سياسية بين الموالاة والمعارضة (فريقي ٨ و١٤ شباط)، إستمرت قرابة 18 شهراً، ونجح في تجنيب البلاد حرباً أهلية جديدة، بعدما أقرت حكومة فؤاد السنيورة آنذاك قراري إعفاء مدير جهاز أمن المطار من منصبه، وإعتبار شبكة اتصالات “حزب الله” غير قانونية، بضغط من وزراء وليد جنبلاط، الذين هددوا بالاستقالة من الحكومة في حال لم تتبنَّ الحكومة القرارين المذكوين، الأمر الذي دفع الحزب وحلفاء الى القيام بما عرف آنذاك بـ “غزوة ٧ أيار” في بيروت والجبل، حيث إندلعت مواجهات في الشارع بين مختلف الفصائل السياسية والطائفية المتصارعة، لكنه في المقابل أسس لأزمة سياسية “مزمنة” عندما تسبب في تشويه “إتفاق الطائف” وخرقه لجهة آلية تأليف الحكومة، بحيث أصبحت الأحزاب والقوى السياسية، شريكة الرئيس المكلف في التأليف، أي أن كل حزب يريد تسمية وزرائه وتوزيع الحقائب، وليس رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة المكلّف.

وهذا الخرق للدستور في تأليف الحكومات كان يتسبب عند كل تكليف رئيس جديد في خلافات سياسية على التشكيل، ما كان يؤدي الى تأخير في ولادة الحكومات، إذ إنّ أول تشكيل حكومة ما بعد “اتفاق الدوحة”، برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، سجّل أول رقم قياسي بلغ 44 يوماً، فيما استغرق تأليف الحكومة التي تلتها برئاسة سعد الحريري 39 يوماً، حتى تكرّست بفعل مندرجات “إتفاق الدوحة” بدعة تسمية الكتل النيابية (الحزبية) مرشحيها للوزارة وهي من تختار الحقائب، وفي حال لم يتجاوب الرئيس المكلف مع طلبات تلك الكتل، يمكن أن تهدد بالمقاطعة أو عدم المشاركة في الحكومة، حتى أصبحت هي من تتحكم بتشكيل الحكومات بدلاً من الرئيس المكلف بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، ما أطاح صلاحياتهما، فضلاً عن التعطيل “المزدوج” لمؤسسة مجلس الوزراء سواء من جراء التأخير في عملية التأليف، أو خلال “بدعة” الثلث المعطل.

وشكل الثلث المعطل الذي بات يتمسك به “الثنائي الشيعي” بعد “مؤتمر الدوحة” الخرق الثاني للدستور، وفقاً لـ “إتفاق الطائف”، ليتحول بدوره إلى “عرف ملزم” من دون أي سند دستوري، بحيث أن الحكومة بعد العام 2008 أصبحت تضم المعارضة والموالاة معاً، وقوّة المعارضة توازي قوة الأكثرية، وخير شاهد على مفاعيل ذلك “الثلث” تجربة حكومة سعد الحريري التي أُسقطت عام 2011، بعد انسحاب وزراء المعارضة منها (ثلث الوزراء + واحد)، في أسوأ وأخطر إجراء “غير دستوري” فرضه “إتفاق الدوحة”، إذ باتت تتفق القوى السياسية على تشكيل حكومة تراعي تمثيل جميع القوى السياسية (الطائفية) وتسمى حكومة “وفاق وطني”، تتمتع بالميثاقية من وجهة نظر المنظومة السياسية الحاكمة والمتحكمة.

لم يتوقف الخرق الدستوري في تشكيل الحكومات عند هذا الحد، بل إبتدعت “هرتقة” جديدة، تمثلت بتمسك “الثنائي الشيعي”، بحقيبة وزارة المالية، بحجة ترسيخ الميثاقية، ليكون توقيع وزير المال (الشيعي) ملازماً لتوقيع رئيسي الجمهورية (الماروني) والحكومة (السني)… اليوم وبعد التحولات والمتغيرات الجذرية على صعيد لبنان والمنطقة، وبالتالي إنتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية بما يتمتع به من وطنية ومن ثقة اللبنانيين والخارج، فضلاً عن تسمية غالبية النواب القاضي نواف سلام لتشكيل الحكومة، فإن مقتضيات المرحلة تحتم على الرئيسين أن يحتكما إلى الدستور، ويطبقا ما ورد فيه من مبادئ وقيم ونصوص، لأن أي خروج عن أحكام دستور “الطائف” هو ضرب لمسيرة لبنان الوطنية والإنقاذية.

المدخل الأساس لعملية إنقاذ لبنان، تبدأ من الاحتكام الى الدستور، ووضع حد نهائي لكل الممارسات “الشاذة” التي شكلت خرقاً فاضحاً لأحكامه طوال السنوات الماضية، لأنه لم يعد جائزاً ولا مقبولاً لأي فريق أن يتحكم بمصير لبنان ومستقبله، خصوصاً وأن جميع الدول الصديقة والشقيقة التي أبدت إستعدادها للمساعدة والمساهمة في إعادة الإعمار وتعافي الإقتصاد الوطني والمالية العامة، تشترط لمد يد العون، العودة الى تطبيق الدستور، إضافة الى الشروع في المسار الإصلاحي، وإلا كل الرهان على الخارج سيبقى مجرد أوهام وسراب.

بناءً عليه، فإن الكتل النيابية التي أعطت الثقة للرئيس المكلف وبحسب الدستور، لا تستطيع أن تفرض عليه إختيار من يجب أن يكون وزيراً، أو أي حقيبة يجب أن يتولاها، كذلك لا يحق لها بالتالي التعطيل (المخالف للدستور)، وعلى الرئيس المكلف أن يتمسك بالدستور، وإعتماد معايير واحدة في التشكيل (المصلحة العامة)، من دون إستثناءات ولا “محاباة”، خصوصاً وأن الدستور لم يخصص أي وظيفة عامة لأي طائفة، بما في ذلك الوزراء، إذ إن الوزارات متاحة لأي طائفة من دون أي تمييز أو إستثناء.

أمام الرئيسين عون وسلام فرصة تاريخية لتصحيح مسار تأليف الحكومات من خلال تعطيل مفاعيل “مؤتمر الدوحة” والعودة الى دستور “الطائف”.. وعيون الخارج شاخصة نحو الانطلاقة الدستورية للعهد المعوّل عليه.

شارك المقال