مراسيم دفن

الراجح
نواف سلام ونبيه بري وسمير جعجع

منذ عام 1989، أي منذ اتّفاق الطائف ولغاية يومنا هذا، ونحن نتحدّث عن الدستور وتفسيراته المختلفة، وكأنّه كُتِبَ بلغة بعيدة كل البعد عن لغتنا العربيّة، ولهذا يحتمل الاختلاف في التّفسير… ويبقى الأهم ما أُقِرَّ في اتفاق الطائف من إصلاحات إداريّة، أهمها اللاّمركزيّة، وغيرها طبعاً، إذ يحتاج ذلك كلّه إلى مراسيم تطبيقيّة، وإلاّ سيبقى حبراً على ورق.

إذاً، المراسيم هي الأساس وستبقى كذلك لتطبيق اتّفاق الطائف، أي أنّها أساس تطبيق “الدستور”.

هذه المقدمة ضروريّة لارتباطها بما نمرّ به في هذه الأيام من عُقَدِ تشكيل حكومة العهد الأولى، وليس عقدة “الثّنائي” فقط!

مهما حاول الواحد منّا الابتعاد عن الدخول في دهاليز بعض الحكّام المسؤولين عن مواقع تقرّر، في الكثير من الأحيان، مصير الوطن، أي مصيرنا، إلا أننا نجد أنفسنا مندفعين للرد على بعض الطروح الكارثيّة الّتي تصدر عن هذه الجهة أو تلك.

إنها ليست “حزّورة”، لننتقل إلى الموضوع: تابعت مقابلة الحكيم جعجع مع مارسيل غانم من أولها إلى آخرها، ولأول مرّة صمدت صمود الأبطال حتى نهايتها. وكعادتي، وأعترف لمحدوديّة قدرتي ومعرفتي وحتى تفكيري، لم أفهم كثيراً من “الحكيم”. لم أفهم رفضه لتولّي قوّاتي حقيبة الطاقة قبل الانتخابات بسنة و”نيّف”. ولم أفهم تفسيره لتولّي الكتلة النيابيّة الأكبر لحقائب وزاريّة أكثر من أية كتلة أخرى. كما أنني لم أفهم لماذا يحق للكتل النيابيّة، انتبهوا النيابية، تولّي حقائب وزاريّة!

ان محدودية فهمي تأخذني دائماً إلى الدستور، والمفترض أن يكون المرجع لكل قرار أو موقف، والّذي يؤكّد أن المجلس النيابي هو سلطة تشريعيّة وليس سلطة تنفيذيّة على الاطلاق. والكتلة الأكبر يكون دورها التشريعي أكبر، ودور مراقبتها للسلطة التنفيذيّة أدق وأهم! فمن أين جاءت عمليّة تمثيل الكتل النيابيّة في الحكم إلا من الوصاية السّوريّة أو الاحتلال السوري، كي لا “يزعل” الحكيم؟ وبعدها جاء الانقلاب على الطائف والدستور في “اتفاق” الدوحة.

أمّا الكارثة الأكبر في تلك المقابلة إيّاها فكانت الموقف الأبويّ لـ”الحكيم” تجاه الطائفة الشّيعيّة الجريحة بسبب الحرب الهمجيّة الاسرائيليّة على “الشيعة” – بحسب رأي الحكيم – ما أدّى إلى هذا الجرح العميق.

يا حكيم، الحرب كانت ولا تزال على لبنان، ولبنان هو الجريح، وجرحه عميق، وعميق جدّاً…

وقبل أن نتجاوز مقابلة الحكيم مع مارسيل غانم، تبرز أمامنا نظريّة رئيس مجلس النوّاب، الّتي تقول إنّ وزارة الماليّة هي حصراً للطائفة الشيعيّة، سواء كانت جريحة أم متعافية، وذلك وفقاً لاتّفاق الطائف.

مسكين اتفاق الطائف، ومسكين مَن يستمع إلى تفسيره، حيث كما قال الشاعر نزار قبّاني: “لا فكر ولا فلسفة، بل صرفٌ وإعراب”.

نداء إلى الرئيس المكلَّف نواف سلام: رجاءً، لا تكثر من جرعات الديموقراطيّة. ولستُ في موقع من يلفتُ نظرك إلى محاكمة سقراط أمام محكمة شعبيّة، والحكم عليه بالإعدام بأغلبيّة الأصوات، وهو الحدث الّذي استعان به الفلاسفة للنيل من الديموقراطيّة.

ولست في موقع من يلفتُ نظرك إلى الرّدِّ الّذي جاء ليحسم النقاش لمصلحة الديموقراطيّة، متأخِّراً ما يزيد على ألفي سنة، على لسان ونستون تشرشل، حين قال: “الديموقراطيّة نظام سيئ جدّاً، لكنّه أقل سوءاً من كل البدائل الّتي جرّبتها البشريّة”.

كلّ ما يمر بنا الآن من نظريّات وفلسفات هو مجرّد بدائل. فحبّاً بلبنان، ارجع إلى الديموقراطيّة وبكل مساوئها.

شارك المقال