موقع مستقل | الناشر ورئيس التحرير: محمد نمر

إيران والوجود الإسرائيليّ المزعوم في أذربيجان

سياسة 10 تشرين الأول , 2021 - 12:01 ص

لبنان الكبير

 

تصاعد التوتّر بين إيران وأذربيجان مؤخراً، حيث أجرت القوات الإيرانية مناورات عسكرية ضخمة قرب الحدود مع أذربيجان هي الأولى منذ ثلاثة عقود، تلتها اتهامات إيرانية قديمة – جديدة لباكو بأنها توفر قواعد وملاذات للاستخبارات الإسرائيلية في أراضيها، وبخاصة على الحدود مع إيران تشكّل تهديداً لأمن "الجمهورية الإسلامية".

جاء هذا التوتّر إثر مشكلة ممر حدودي أصبح ضمن الأراضي الأذرية، تستخدمه الشاحنات الإيرانية للعبور إلى جمهورية قره باغ المعلنة من جانب واحد والمدعومة من أرمينيا، إذ فرضت باكو تعريفات مشدّدة على هذه الشاحنات.

وأثار توقيت المناورات الإيرانية والمواقف التحذيرية التي أطلقها مسؤولون سياسيون وعسكريون إيرانيون، مخاوف من اندلاع مواجهات بين البلدين اللذين كانا دولة واحدة قبل الاحتلال الروسي لأذربيجان. وهما تشتركان في التاريخ والثقافة والدين والتداخل الجغرافي، وترتبطان بعلاقات ديبلوماسية وسياسية منذ استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفياتي السابق في العام 1991.

آخر هذه الاتهامات الإيرانية، جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، الذي حذّر حكومة أذربيجان من السماح لإسرائيل بممارسة أي أنشطة استخباراتية عند حدود بلاده.

وقال عبد اللهيان، أثناء مؤتمر صحافي عقده في بيروت الجمعة، في ختام زيارته إلى لبنان: "لن نسمح بأن يتحوّل هذا الكيان (إسرائيل) إلى عنصر تهديد قرب حدود إيران". كما أعربت إيران عن قلقها إزاء ما قالت إنه نقل لعناصر من تنظيم "داعش" الفارّين من سوريا إلى منطقة نزاع قره باغ.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، نفى أن يكون هناك وجود إسرائيلي في المنطقة الحدودية بين بلاده وإيران، وتساءل: "هل هناك أي دليل على ذلك؟"، وذلك خلال زيارة الاثنين لمدينة جبرائيل في إقليم قره باغ. وأكد أنّ أذربيجان لا تسمح بإلقاء الآخرين افتراءات عليها لا أساس لها من الصحّة. وشدّد على أنّ أذربيجان بلد مستقلّ، وتدرك جيداً مع أي بلد تقيم علاقات وفي أي مستوى.

بدورها، نفت وزارة الخارجية الأذرية أي وجود إسرائيلي قرب حدودها مع إيران. ووصفت الاتهامات الإيرانية بأنها لا أساس لها من الصحّة. وأضافت: "بشكل عام، لا يمكن حتى مناقشة وجود أي قوات في أراضي أذربيجان، بما في ذلك العناصر الإرهابية، والتي يمكن أن تشكّل تهديداً لدولتنا أو الدول المجاورة".

وكان الديبلوماسي الإيراني السابق أمير موسوي، صرّح أنّ معلومات وصلت إلى إيران بوجود 1000 عنصر إسرائيلي داخل أراضي أذربيجان.

وعلى الرغم من محاولة المسؤولين الآذريين حصر المشكلة في رسوم الشاحنات الإيرانية والمتّجهة صوب الأراضي الأرمينية، إلا أنّ متابعة المواقف الآذرية والإيرانية السياسية والإعلامية، تكشف عن أسباب أخرى للأزمة ذات أبعاد قومية وعرقية، وأخرى ترتبط بمصالح دول إقليمية، بينها تركيا وإسرائيل.

فالعلاقات الإسرائيلية- الأذرية المتنامية لم تعد سراً، إذ لا يمكن إنكار التأثير الإسرائيلي النوعي في انتصار أذربيجان على أرمينيا قبل عام، واستعادتها معظم إقليم قره باغ الذي كان تحت السيطرة الأرمينية لنحو ثلاثة عقود. فقد ظهرت بوادر الفتور والتوتّر بين إيران وأذربيجان خلال الحرب الأذربيجانية – الأرمينية العام الماضي، عندما تحدّثت المعلومات عن دعم إسرائيلي واسع ومكثّف للجيش الأذربيجاني، جنباً إلى جنب مع الدعم التركي، اللذين أسهما في الانتصار الأذربيجاني. فقد باعت تل أبيب لباكو طائرات مسيّرة وتكنولوجيا تجسّس تعمل عبر الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية. كما تحدثت معلومات صحافية عن قيام إسرائيل بإنشاء قواعد ومحطات رادارات قرب الحدود مع إيران لمراقبة التحركات العسكرية الإيرانية ورصد الصواريخ الإيرانية في حال إطلاقها نحو فلسطين المحتلة، فيما تعمل شركات إسرائيلية على إقامة مشاريع زراعية وصناعية شبيهة بنظام المستوطنات اليهودية جنوب أذربيجان، وعلى بُعد 50 كيلومتراً من الحدود مع إيران.

ويفتخر علييف بعلاقاته الوطيدة مع تل أبيب، عبر البعض من رجال الأعمال اليهود المؤثّرين في باكو، وهم يحملون الجنسيات الأذربيجانيات والإسرائيلية والروسية والأميركية. ويلعب هؤلاء دوراً مؤثّراً في تطوير العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل، في جميع المجالات، حيث تبيع تل أبيب ما قيمته مليار دولار سنوياً من الأسلحة والمعدّات العسكرية لأذربيجان.

طهران ترى في هذا الوجود الإسرائيلي، بمختلف أشكاله العسكرية والاستخبارية، خطراً على أمنها القوميّ، فضلاً عن أنه يستفز المشاعر القومية والدينية لمواطني إيران من العرق الأذري، الذين يعيشون قرب الحدود مع أرمينيا وأذربيجان، وعددهم نحو ثلاثين مليوناً، في مقابل ثمانية ملايين هم سكان أذربيجان. وتخشى طهران من أنّ أذربيجان قد تسمح للجيش الإسرائيلي بالقيام بمهمّات استطلاعية وتخريبية في إيران انطلاقاً من أراضيها. وزعم مسؤولون عسكريون إيرانيون سابقاً أنه تم اعتراض طائرات مسيّرة إسرائيلية في طريقها من أذربيجان إلى منشآت إيرانية نووية في نطنز.

وعلى الرغم من المناورات والاتهامات الإيرانية، إلا أنّ طهران تسعى لمعالجة الأزمة الأخيرة مع أذربيجان بالطرق الديبلوماسية، بموازاة إسراعها في تأمين ممر بديل وآمن لضمان استمرار عملياتها التجارية مع أوروبا عبر الأراضي الأرمينية. لكنها استشعرت الخطر الإسرائيلي وقرّرت مواجهته، بعد تعرّضها لهجمات وعمليات إسرائيلية أمنية عدة، مرتبطة ببرنامجها النووي خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أنّ الأمور تتّجه نحو المعالجة الديبلوماسية للأزمة الأخيرة بعد مواقف أذربيجان التطمينية لإيران، وإداركها لرسالة طهران التحذيرية بأنها مستعدّة لمواجهة عسكرية استباقية لإبعاد أي وجود إسرائيلي أو "داعشي" قرب حدودها.

 

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us