رفيق الحريري… الحلم الذي لم يكتمل

هدى علاء الدين

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري، نسترجع قامة وطنية لم تكن مجرد رئيس وزراء في تاريخ لبنان، بل كانت رمزاً لرؤية طموحة وفاعلة، وأحد أبرز مهندسي مشروع وطني سعى إلى إعادة بناء لبنان من تحت أنقاض الحرب الأهلية. فقد أسس الحريري دولة حديثة تقوم على الاستقرار السياسي والاقتصادي، وجعل من حلمه ببناء لبنان جديد واقعاً يحقق التماسك الوطني عبر جميع الطوائف. كان قائداً استثنائياً، يمتلك قدرة فريدة على توحيد اللبنانيين حول مشروع مشترك: بناء وطن يتجاوز جراح الماضي ويخطو بخطى واثقة نحو مستقبل أكثر إشراقاً. ومع ذلك، لم يكن اغتياله مجرد تصفية جسدية وسياسية، بل كان محاولة لاغتيال فكرة الدولة الحديثة ذاتها، وانقلاباً على مشروع إعادة الإعمار، ما دفع لبنان إلى مستنقع الأزمات السياسية والاقتصادية التي لا يزال يعاني من تبعاتها حتى اليوم.

مشروع وطن

لم يأتِ رفيق الحريري من رحم السياسة التقليدية، بل صعد من عالم الاقتصاد، حيث صنع لنفسه اسماً لامعاً كأحد أبرز رجال الأعمال في العالم العربي. لم يكن نجاحه الشخصي مجرد إنجاز مهني، بل كان تمهيداً لرؤية أوسع تجاوزت حدود المال والأعمال إلى الأبعاد الوطنية والسياسية. وخلال سنوات حكمه، لم يكن طموحه محصوراً في النجاح الفردي، بل كان حلماً عميقاً بإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كمنارة اقتصادية وتجارية في المنطقة.

عندما عاد إلى لبنان في أوائل التسعينيات، عمل جاهداً لتحويل الدمار والخراب من مجرد ماضٍ مؤلم إلى فرصة ذهبية لإطلاق مشروع تنموي شامل يعيد للبنان تألقه. لم تكن إعادة الإعمار بالنسبة اليه مجرد عملية ترميم عمراني، بل كانت إعادة بناء لدولة ومؤسساتها واقتصادها، وانتشال المجتمع اللبناني من الركود والانهيار. ومن هنا، سعى رفيق الحريري إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام، يرتكز على تطوير البنية التحتية، جذب الاستثمارات، وتعزيز قطاعات حيوية مثل المصارف والعقارات والسياحة. كان يحلم بتحويل لبنان إلى مركز مالي وتجاري إقليمي قادر على المنافسة، متسلحاً برؤية اقتصادية متكاملة تضع البلاد على طريق الاستقرار والازدهار.

طموح بلا حدود

قاد رفيق الحريري عملية إعادة إعمار وسط بيروت، محولاً إياها من منطقة مدمرة بفعل الحرب إلى قلب نابض بالحياة، يعج بالحركة والنشاط التجاري. كانت تلك رسالة استراتيجية تهدف إلى استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني، وإثبات قدرة البلاد على النهوض مجدداً. سعى أيضاً إلى تحويل لبنان إلى مركز مالي إقليمي عبر إصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية في الأسواق المالية، وجذب الاستثمارات الأجنبية. كان يدرك تماماً أن الثقة الاقتصادية هي العمود الفقري لأي انتعاش مستدام، لذا ركز على ضبط سعر صرف الليرة اللبنانية، ما أعاد الاستقرار المالي إلى لبنان بعد سنوات من الانهيار والتضخم المتفشي. كذلك نجح في تأمين دعم دولي ضخم من خلال مؤتمرات المانحين مثل “باريس 1” و”باريس 2″، التي ساعدت في تمويل مشاريع حيوية وتقليص العجز المالي.

لكن مشروع الحريري لم يكن خالياً من التحديات، إذ واجه صعوبات مالية كبرى بسبب تكاليف إعادة الإعمار المتزايدة. ومع ذلك، لم يتراجع عن رؤيته، بل واصل العمل على تحقيق التوازن بين الاستدانة، جذب الاستثمارات، وتنشيط النمو الاقتصادي. كانت مرونته السياسية، وتحالفاته الدولية، ورؤيته الاقتصادية الشاملة عوامل رئيسية مكّنته من الصمود أمام الأزمات، والحفاظ على استمرارية مشروعه التنموي على الرغم من المعوقات التي اعترضته.

السياسة.. بوابة الاصلاح الاقتصادي

لم يكن رفيق الحريري رجل اقتصاد فحسب، بل كان رجل دولة بامتياز، أدرك مبكراً أن الاستقرار السياسي هو المفتاح لأي نجاح اقتصادي. كان من أبرز مهندسي اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، وأرسى معادلة توازن سياسي جديدة. وكانت قدرته على التفاوض، وبناء التوافقات بين مختلف القوى السياسية والطائفية، عنصراً حاسماً في إنجاح الاتفاق، ما أدى إلى إرساء بيئة سياسية أكثر استقراراً، مهدت الطريق للنهوض الاقتصادي.

وعلى الصعيد الدولي، استثمر الحريري علاقاته القوية مع المجتمعين العربي والدولي، خصوصاً السعودية وفرنسا، لضمان دعم لبنان سياسياً واقتصادياً. كان يؤمن بأن لبنان، بفضل موقعه الاستراتيجي، يمكن أن يكون جسراً اقتصادياً بين الشرق والغرب، وليس ساحة للصراعات الاقليمية. ومن خلال هذه العلاقات، استطاع تأمين مساعدات دولية ضخمة، وتدفق رأس المال الأجنبي والعربي، وتعزيز مكانة لبنان كدولة لها وزنها على الساحة الدولية.

وعلى الرغم من نجاحاته، لم يكن طريقه مفروشاً بالورود. وبينما كان يسعى إلى إصلاح مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، اصطدم بعوائق سياسية داخلية، ومحاصصة طائفية، وضغوط خارجية جعلت تحقيق الاصلاح أكثر تعقيداً. ومع ذلك، ظل مؤمناً بأن لبنان قادر على النهوض، وأن التغيير ممكن إذا وُجدت الإرادة السياسية الحقيقية.

السقوط نحو الهاوية

في 14 شباط 2005، أعاد الانفجار الذي هزّ بيروت رسم المشهد اللبناني برمّته. باغتيال رفيق الحريري، اغتيل حلم بوطن مستقرّ ومزدهر، وبدأت مرحلة جديدة من الاضطرابات والتجاذبات التي أدخلت لبنان في دوامة من الأزمات المتتالية. وتفاقم الانقسام السياسي إلى مستويات غير مسبوقة، وتعطّلت مؤسسات الدولة بفعل التجاذبات والصراعات على النفوذ، فيما استشرى الفساد ليصبح عائقاً رئيسياً أمام أي محاولة للإصلاح.

وعلى مدى السنوات التي تلت الاغتيال، تآكلت مقوّمات الاقتصاد اللبناني تحت وطأة التهديدات السياسية، وسوء الإدارة، والمصالح الضيقة، إلى أن بلغ الانهيار ذروته في العام 2019. فانهار القطاع المصرفي الذي كان يوماً من أعمدة الاقتصاد الوطني، وفقدت الليرة اللبنانية قيمتها بصورة غير مسبوقة، ما دفع البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات المالية في التاريخ الحديث.

في ذاكرة الوطن

شكّل رفيق الحريري حالة استثنائية في تاريخ لبنان، ورمزاً لمشروع نهضوي شامل ورؤية إصلاحية جريئة. ومع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية، أصبح اللبنانيون أكثر إدراكاً من أي وقت مضى لحجم الغياب الذي خلفه رحيله، ما جعلهم يشعرون بأثره العميق في مختلف جوانب الحياة الوطنية. فلو قُدّر له استكمال مشروعه، لكان لبنان اليوم في مكانة مختلفة تماماً، سواء على الصعيدين السياسي أو الاقتصادي، إذ كان بإمكانه تغيير مسار البلاد نحو استقرار طويل الأمد. واليوم، بعد عشرين عاماً على اغتياله، يظل غيابه أكبر شاهد على الفجوة العميقة التي تركها، وعلى المساحة الواسعة من الفراغ التي لم تُملأ بعده.

شارك المقال