صبرا لـ”لبنان الكبير”: لا حل سياسياً بوجود الأسد والأخطبوط الإيراني الأخطر

سياسة 21 نيسان , 2021
صبرا لـ"لبنان الكبير": لا حل سياسياً بوجود الأسد والأخطبوط الإيراني الأخطر

 

حاوره: عالية منصور – محمد نمر

على الرغم من انسحابه من مؤسسات المعارضة الرسمية، الا أن المعارض السوري جورج صبرا ما زال منخرطاً في العمل السياسي والثوري ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا. فماذا يقول صبرا في الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة، وكيف يصف، رئيس المجلس الوطني ونائب رئيس الائتلاف وعضو الهيئة العليا للمفاوضات سابقاً، أداء المعارضة خلال السنوات الأخيرة، وما رأيه بمواقف الأشقاء والأصدقاء؟

حدثنا صبرا بغصة عن “لبنان الكبير” والوضع الذي وصل إليه، وعن نترات الأمونيوم، كما حدثنا عن فترات سجنه وتخفّيه. وعن العلاقة مع الأخوان المسلمين، والمبادرات المطروحة اليوم على ساحة المعارضة السورية، خصوصاً تجاه الاستحقاق الرئاسي المقبل في البلاد، كما تحدث عن الخطر الذي تلحقه إيران بسوريا والمنطقة. ويُشار إلى أن المقابلة أجريت قبل وصول خبر وفاة المعارض السوري ميشيل كيلو.

• يعيش لبنان الكبير في مئويته تهديداً واضحاً لكيانه، كيف يرى جورج صبرا واقع لبنان الكبير اليوم من نظرة سورية؟

حقيقة أرى أنه مهدد رغم أن لبنان الكبير عندما نشأ منذ قرن كان عموم السوريين غير متقبلين للفكرة، وأيضاً جزء من اللبنانيين، وبقوا كذلك لفترة إلى أن تعايشوا مع الأمر، ولكن لبنان الكبير بالروح الوطنية والثقافية التي برزت فيه وروح المحيط العربي التي استمرت به، لبنان الكبير لعب دوراً كبيراً بإيقاظ محيطه العربي، من يستطيع الحديث عن الصحافة من دون ذكر لبنان على رأس القائمة، من يتحدث عن الطب والعلوم، كان لبنان مستشفى العرب وأكثر من ذلك، تميز لبنان الكبير عن محيطه العربي الاستبدادي بديموقراطيته وإن كانت هشة وعليها الكثير من الملاحظات، ولكن لطالما كان لبنان ملجأ للأحرار. وبالنسبة لنا نحن كسوريين كان لبنان الملجأ لكل من يتعرض للاضطهاد في سوريا ومن مختلف التوجهات، وعدد من قادة سوريا أمضوا عمرهم في لبنان طلبا للحرية، الآن وللأسف وفي الوقت الذي رحب المحيط العربي بلبنان بالصيغة التي ولد بها ونشأ عليها وأراد له أن يستمر بدوره، نلاحظ أن سهاماً من جهات عدة من الداخل اللبناني توجه لهذا الكيان. وليس لمصلحة محيطه العربي، بل لخدمة مشاريع إقليمية خطيرة، الوضع العربي هو ميدانها وساحتها ويبدو أن رأس الحربة يخرج من لبنان والموضوع لم يعد سرأ، فاللبنانيون الذين يقاتلون في سوريا واليمن والعراق لا يقاتلون من أجل لبنان ولا من أجل شعوب هذه البلدان، بل من أجل مشروع كل الناس باتت تعرفه وهو مشروع فئوي للأسف، مشروع إحلال سكاني وهذا أخطر ما يمكن، وللأسف أتت الضائقة الاقتصادية وجاء الانهيار الاقتصادي الأخير في لبنان ليساهم في هذه النتائج، اليوم الجميع يتكلم كيف أن الشباب اللبناني بات يحمل جواز السفر وينتظر على أبواب السفارات، وهذا بالنهاية يخدم المشروع المناوئ للبنان الكبير كوطن لجميع أبنائه، ولمحيطه العربي أيضاً الذي يعتقد بأهميته وضرورته التي مازالت موجودة.

• بالموضوع السوري فلنبدأ من الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة، ماذا بقي من الثورة بعد عشر سنوات على انطلاقها، وما تقييمك للمسار الذي اتخذته الثورة ولأداء المعارضة؟

بالنسبة لي بقيت الثورة، فالثورة ما زالت موجودة، والاحتفالات بذكرى انطلاقها داخل سوريا وخارجها وحتى في المناطق الخاضعة لسلطة النظام، أظهرت وبقوة أن الثورة ما زالت موجودة وأهدافها ما زالت مطلوبة. حتى إن تدهور الأوضاع الاقتصادية في الداخل وتحت سلطة النظام تشير أكثر وأكثر إلى أن الثورة مشروعة ومطلوبة، ولكن أيضاً أنه لم يعد هناك إمكانية أن تستمر سوريا وشعبها في الداخل طالما أن النظام موجود والدليل على ذلك رحلة الشباب السوري من أبناء الساحل الذين اخترقوا الكثير من المصاعب باتجاه المناطق المحررة رغم المخاطر التي تحيط بهذه الرحلة.

الثورة موجودة وأهدافها مطلوبة، ولكن وللأسف بعد عشر سنوات ليس للثورة قيادة وهنا المشكلة الكبيرة التي تعطي مبرراً لأسئلة كـ”ماذا بقي من الثورة؟”، ولكن الثورة السورية بدأت حركة شعبية ولم تبدأ من أحزاب أو قيادات وليس لأي حزب أو جهة أن تدعي أي دور مميز في هذه الثورة، بل على العكس، على هذه الأحزاب أن تشكر الشعب السوري والثورة لأنها احتضنتها وقبلت بها أن تشارك بهذه الثورة حسب استطاعتها، وعلى الأقل هذا ما فهمته من الاحتفالات أن الشعب السوري لا يزال قادراً على تقديم التضحيات وأن الثورة السورية مستمرة، وهذا يضع جمرة بيد النخب الثقافية والسياسية لتقول اين هو الحضور السياسي الموازي لهذه الثورة واللائق بهذه الثورة، وهذا هو التحدي الآن أمام هذه النخب.

• هل من مبادرات جديدة على صعيد المعارضة والتمثيل السياسي للثورة، لالتقاء المعارضين؟

حقيقة هناك مبادرات عديدة متفرقة متفقة في الأهداف، إذا قارنا أدبياتها تكاد تكون متطابقة ومشتركة في جميع عناصرها الأساسية، لكنها متفرقة وكأنها ستعيد ظاهرة الفصائلية في القوى المسلحة لشكل من أشكال الدكاكين السياسية والتي تشترك بالأهداف والرؤى، ولكن الجدران التي تفصل بينها لا زالت سميكة، وأبرز رد فعل هو ما قام به نشطاء الثورة على قرار الائتلاف بتشكيل مفوضية الانتخابات. فمن خلال النشاطات على الأرض والبيانات التي أصدرت، حتى إنه تمت الدعوة إلى مؤتمر وما زال حتى الآن، ونتيجة هذه النشاط المكثف ضد قرار الائتلاف اضطر الائتلاف إلى تجميد قراره، ما يعني أن الثورة حضورها ما زال مؤثراً وأذرعها ما زالت قادرة عندما تستطيع أن تحتضن الرأي العام السوري، وهذا المؤتمر الموعود ما زال العمل له قائماً ولكن النشاطات الأخرى الموازية من لقاءات إلى مؤتمرات وكتل وطنية للأسف صار يدعو إلى الحاجة للتشبيك بين هذه المشاريع المتشابهة والموحدة في إطار قوى الثورة والمعارضة لتشكل حالة سورية تكون جاهزة عندما يبدأ الحل السياسي

• في ظل غياب كامل لأي دعم عربي وإقليمي ودولي، هل يمكن أن ينجح أي مشروع لتشكيل جسم سياسي، ألا يحتاج أي جسم لاحتضان من قوى عربية وإقليمية ودولية؟ وأين اصبح الائتلاف برأيك هل بات بالكامل تركي الهوى والهوية؟

سأبدأ من الشق الثاني من السؤال، للأسف الائتلاف تعرض لنزيف كبير خلال السنوات الماضية وخسر عدداً كبيراً من السياسيين المحترفين والمثقفين البارزين أصحاب الرؤى لمصلحة أشخاص آخرين أوصلوا الائتلاف إلى شكل من أشكال المنصة وهذا مؤلم، فنحن اليوم أمام قوى ثورة ومعارضة لا تعدو عن كونها منصات، كمنصة موسكو ومنصة القاهرة، وحتى بهيئة التفاوض بالفترة الأخيرة والائتلاف مشارك أساسي بها، كنا نلاحظ بيانات تصدر من الرياض فيأتي الرد ببيانات من اسطنبول، ما يعني انه صار هناك منصة بالرياض ومنصة باسطنبول وهذا مؤلم ومؤسف، حتى صرنا نسمع عدداً كبيراً من أعضاء الائتلاف يجاهرون بأن الوضع لم يعد مقبولاً، ولكن يبقى السؤال هل الائتلاف قابل للإصلاح؟ أكثر الأصوات تجربة وجدية تقول إنه فقد القدرة على الإصلاح، ولذلك لا بد من العمل والمشاركة والتشبيك بين جميع المشاريع والمبادرات من أجل إيجاد الحالة السورية.

أما بما خص الشق الأول من السؤال، فاسمحي لي أن اقول إن جزءاً كبيراً من مرضنا هو الاستناد إلى هذا الدعم العربي والإقليمي وهو استناد مفرط حقيقة، ولاحظنا أن تمدد ظاهرة المنصات مستند إلى هذا الواقع الذي يبدأ بشكل دعم ومن ثم يتحول إلى استيعاب ومن ثم يتحول إلى تمثيل أجندات الدول الداعمة، ولاحظنا ذلك بظاهرة الفصائلية، فكانت تكفي أيام عدة لإظهار فصيل قوي ومعزز ولا يشق له غبار وبين أن ينتهي خلال 24 ساعة نتيجة الاستناد الكامل إلى هذا الدعم.

نحن الآن بحاجة لحماية القرار الوطني المستقل، لأن القرارالوطني المستقل كان هو الضحية الأكبر لهذا الدعم الذي بدأ دعماً ثم انتهى باحتواء وتعطيل، مع الأخذ بالاعتبار أن القرار الوطني المستقل لا يعني الاستغناء عن الداعمين والأصدقاء والجيران والحلفاء عندما يكون هناك مصلحة مشتركة، ويكون هناك دعم حقيقي من أجل المشروع المشترك، أما أن يصبح القرار السياسي السوري وحتى القرار العسكري لدى بعض الفصائل بأيدي أجهزة دول تحت غطاء الدعم، فأنا أعتقد أن الثورة السورية أصيبت بالكثير من المرار بسبب هذه المنطق.

والسؤال هل هناك استحالة لإقامة علاقة محترمة وجادة وتعاونية وأخوية ولكن في الوقت نفسه حماية للقرار الوطني المستقل؟ لدينا بتاريخنا العربي الحديث تجارب ناصعة بهذا الموضوع، اقرب تجربة هي تجربة منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات الذي كان صديقاً لجميع الدول ولكنه حافظ على القرار الفلسطيني المستقل، وقبله أيضاً الثورة الجزائرية، كان لديها استناد عربي واستناد دولي أيضاً ولكنها كانت محافظة على قرارها، وأنا أعتقد أن هذا الأمر محوري لأنه أدى إلى فقدان ثقة السوريين وخاصة قطاع الثورة السورية بالمؤسسات التمثيلية، ومن المعلوم عند الجميع أنه عندما تفقد المؤسسة التمثيلية ثقة شعبها لا يمكن أن تستمر بالمحافظة على احترام الدول بما فيها الدول الداعمة والضامنة.

• ألا تتحملون جزءاً من المسؤولية، بداية من القبول بتشكيل الائتلاف ثم توسعته وخصوصاً لاحقاً بالهيئة العليا للمفاوضات بالقبول أو عدم محاسبة من ارتكب الأخطاء باسم هيئة التفاوض وهنا أعني نصر الحريري الذي قبل بسلال ديمستورا؟

بالنسبة إلى الأخطاء لا يحق لاحد أن يتبرأ منها ولا يجوز لا للأفراد ولا للتنظيمات، وبعض الأخطاء كانت كبيرة لدرجة الخطايا، لكن الأمور أيضاً يجب أن تؤخذ بنسبيتها، ومعروف لدى الجميع أننا بإعلان دمشق كنا ضد نشوء هذا الائتلاف وبذلك الوقت كنت منتخباً حديثاً لمنصب رئيس المجلس الوطني، واجتمعنا مع الأمانة العامة للمجلس وأبلغتهم أني كشخص أنتمي لإعلان دمشق، فنحن ضد مشروع تشكيل الائتلاف ولكن بحكم وجودي كرئيس للمجلس الوطني وإذا وافقت جميع مكونات هذا المجلس الأخرى فأنا سأوقع على الانخراط بالائتلاف باسم المجلس الوطني. أما الأخطاء فقد ازدادت مع الائتلاف، فمن عمل من المجلس الوطني مجلساً وطنياً ممثلاً للسوريين فهو عندما تظاهر السوريون في شوارع مدن وقرى سورية وقالوا المجلس الوطني يمثلني. هذا ما أعطى المجلس أهميته ولفت أنظار العالم إليه لتتحاور معه. الائتلاف كان صناعة دولية، كنا 62 عضواً للائتلاف بالدوحة وكان عدد السفراء والوزراء بالقاعة أكثر منا. من البداية كان الائتلاف مشروعاً دولياً، وما زاد من الأمر هو طريقة ادارته وطريقة تعامل الدول، فالدول لم تكتف بإطلاقه بل كانت دوماً موجودة بالقاعات، فمثلاً عندما جرى قرار التوسعة وككل توسعة كانت يد الدول موجودة وبشكل مباشر وليس بالخلف للأسف.

اما بالنسبة إلى الهيئة العليا للمفاوضات بالتأكيد كان هناك تأثير لذلك ولكن أيضاً يجب أن نرى الواقعة الحقيقية، فقد كان هناك عزم دولي وعربي وضغط على الهيئة العليا للمفاوضات للقبول بمنصتي موسكو والقاهرة وأجرينا حواراً مع المنصتين في مقر الهيئة بالرياض وبقي قرار الهيئة برفض قبول المنصتين بجسد الهيئة العليا للمفاوضات، وحاولنا حينها بالهيئة العليا أن نقوم بتوسعة للهيئة بشكل أن يكون قرارها معبراً أكثر عن فضاء الثورة ولكن المشروع رفض كلياً وتمت الدعوة لمؤتمر رياض 2 ومعروف أن الهدف كان نسف الهيئة العليا للمفاوضات كلياً. ويذكر الجميع كيف هلل لافروف للخلاص من المتشددين والحقيقة أريد أن أعترف أننا كنا متشددين فعلاً، متشددين بحماية أهداف الثورة ومتشددين بالتمسك وتطبيق الوثائق الرسمية للائتلاف والهيئة العليا وبيان الرياض 1، نعم كنا متشددين في ذلك، ولكن أتى رياض 2 لينسف الهيئة العليا للمفاوضات، وتمت دعوة بعض الأشخاص وكنت من ضمنهم واعتذرت عن تلبية الدعوة لأن الهدف كان واضحاً بالنسبة لنا ومخرجات الرياض كانت بارزة.

الجواب الكبير الذي يجيب عن سؤالك عن تأثير الدول على الائتلاف، هو كيف يمكن تفسير أن الائتلاف يرفض المشاركة بمؤتمر سوتشي ثم يقبل وينخرط بتنفيذ جميع مخرجاته، كيف يمكن تفسير ذلك إلا من خلال سطوة الدول على هذه المؤسسة، ومن هنا خسر الائتلاف سمعته امام السوريين وروحه الكفاحية المبنية على وثائقه وحتى خسر اهميته الدولية فصار يكتفي أن يتلقى رئيس الائتلاف اتصالاً هاتفياً من مساعد معاون ممثل الدولة الفلانية. للأسف في هذا الأمر عدم تقدير للثورة السورية والشعب السوري في الوقت نفسه الذي يكتشف فيه العالم عبر الملف الجنائي للنظام كم أن هذا الشعب صلب وكم قدم من تضحيات في سبيل حريته وكرامته.

• دعني أعود لموضوع المجلس الوطني، إن لم تخني الذاكرة صوتت الأمانة العامة ضد الانخراط بالائتلاف يومها، ولكن الأخوان المسلمين سارعوا واعلنوا تأييدهم للمشاركة بالائتلاف وكذلك الأمر فعلوا بالتوسعة، وإن عدت إلى وقت يسبق الثورة السورية أي مرحلة اعلان دمشق، كم مرة منذ ذلك الوقت خذلكم الأخوان المسلمون، وهل لايزال لديكم أي ثقة بإمكانية بناء تحالف وطني معهم؟

بالتأكيد اثبت الأخوان المسلمون أنهم غير مؤهلين للدخول بالتحالفات الواسعة، وأكثر من ذلك هم غادروا اعلان دمشق للدخول بجبهة الانقاذ مع عبدالحليم خدام دون أن يقولوا حتى إنهم ذاهبون، وظهر هذا الأمر بشكل أوضح عندما صوت المجلس الوطني وأمانته العامة بحضور الأخوان ضد المشاركة بمفاوضات جنيف، وتم التصويت على الانسحاب من الائتلاف في حال قرر الائتلاف المشاركة بتلك المفاوضات، ولم تكن سوى ايام حتى افتتحت المفاوضات بجنيف بحضور الأخوان ومكونات أخرى. والحق يقال إنه وبكل هذه الممارسات التي قام بها الأخوان بالانفراد من اجل مشاريعهم الخاصة والخائبة. كان لهم شركاء من العلمانيين وغيرهم، وكان لهم شركاء بكل تصرفاتهم في الائتلاف، وحتى في ضرب قرارات المجلس الوطني كانت المنظمة الثورية شريكة لهم بذلك وكان هناك مكونات أخرى شريكة لهم. أما في ما يتعلق بالمستقبل، فإن الخلل لدى أي جهة أخرى لا يجوز أن يخرجنا عن القاعدة الأساسية التي تلبي الحاجة، إذا لم يكن هناك من حاجة للتحالف مع أي كان فليذهب أي فريق سياسي إلى مهمته منفرداً إذا كان يستطيع، ولكننا نعرف في أي ظروف نحن. الآن سوريا محتلة واحتلالها أصعب من أيام الاحتلال الفرنسي قبل مئة عام، لأنها محتلة من العديد من الدول والمخاطر عليها مازالت قائمة، كل أنواع المخاطر التي تبدأ من التقسيم إلى استمرار الحروب حتى التهجير والاحلال السكاني، ما يقتضي مواجهة هذا الواقع بأوسع تحالف وطني، ولكن الجيد الآن أن التيار الإسلامي لم يعد حكراً على الأخوان المسلمين، فهناك العديد من الشخصيات والمنابر الإسلامية المعتدلة الواقعية والتي من الممكن أن تقبل بالنهج الوطني، من هنا أنا شخصياً لا أميل باطار التحالف الوطني إلى استبعاد أي قوة، ولكن يجب أن توضع اسس التحالف بشكل جديد بحيث يستحيل على أي جهة أن تعطل هذا التحالف إذا أرادت أن تخل بشروطه وأن تكون خاضعة لتنفيذ القرارات.

• مع ما ذكرته من الكشف عن ملفات النظام الجنائية، مع ذلك نسمع أصواتاً تطالب بعودة النظام إلى جامعة الدول العربية ورفع العقوبات بحجة أن الشعب السوري يعاني من العقوبات وأن عودة النظام إلى الجامعة العربية ستبعده عن إيران ورأينا كيف يقوم لافروف بهذه الوسائط منذ أشهر.

هذه من الإبداعات الروسية للتغطية على الفشل السياسي. الروسي بعد احتلاله لسوريا بالعام 2015 كان عنده ضوء أخضر، وعمل كل ما باستطاعته في المجال العسكري واستخدام السلاح، دمر البلد وهجر أهلها لكنه وقف عاجزاً أمام الفعل السياسي، حاول استجرار أوروبا لإعادة الإعمار فلم يستجب له أحد، قام بمحاولة ثانية من خلال ملف عودة اللاجئين وعقد مؤتمراً في دمشق وفشل فشلاً ذريعاً، الآن يستثمر بالانتخابات ويحاول من خلال بعض الدول العربية لإعادة علاقتها مع النظام وإعادة النظام إلى مقعد سوريا بجامعة الدول العربية، وهذا كله تعبير عن فشله في الحل السياسي الحقيقي، فحتى اللجنة الدستورية والتي هي بدعة روسية نجح بوضعها بملف الأمم المتحدة، ماذا فعلت؟ خمس جولات ولازالوا يتشاورون حتى حول عنوان لم يتوافقوا. هي محاولة روسية لتقول روسيا إنها مازالت تعمل بالملف السياسي، ولكن أنا أعتقد أنه على ضوء الموقف الأوروبي الذي عبر عنه بيان وزراء خارجية 18 دولة أوروبية وكان الموقف من النظام السوري صارماً، وبوادر الموقف الأميركي الذي وإن لم يتضح تماماً بخصوص الموضوع السوري، إلا أن مقدماته من خلال قانون قيصر يشي بأن الروس أعجز من أن يجدوا حلاً سياسياً وخصوصاً أنهم بدأوا يكتشفون أنه ليس هناك دولة ومؤسسات، بل عصابات حكم ومؤسسات الدولة لم تعد من الكفاءة بأي شكل لتلبي الحاجات، وصدرت بالصحافة الروسية العديد من المقالات حول ذلك، ولكن منذ البداية وبعد حواراتنا الطويلة مع الروس، الروس يقومون بتصرفات في الداخل السوري كتثمير لمواقفهم الدولية و”حاطين راسهم براس الولايات المتحدة”. فروسيا تريد أن تعيد زمن الثنائية القطبية كأيام الاتحاد السوفياتي من دون أن يكون لديهم مؤهلات ومن دون أن يكون هناك ظروف تمكن من ذلك ولهذا هي للأسف “تجرب فينا” والضحية هي القضية السورية والشعب السوري وهناك معلومات أن يدها بدأت تمتد إلى لبنان والله يستر اللبنانيين من اليد السياسية الروسية.

• بموضوع الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا، هل هناك حقاً اهتمام بهذه الانتخابات أم هي مجدداً محاولة ايحاء روسية، علما أنها ليست أول انتخابات يجريها النظام بعد انطلاق الثورة؟

كل المشاريع الروسية هي بهذا الشكل، مثلاً موضوع اللجنة الدستورية، سنة 2012 بشار عمل دستوراً جديداً فما الذي تغير من إجراءاته في البلد ومن علاقته مع الشعب السوري، وما الذي تغير من البنية الحقيقية للنظام السوري، بل على العكس بعد الدستور الجديد ابتدع البراميل المتفجرة واستخدم السلاح الكيماوي والنابالم، وكذلك موضوع الانتخابات، ويبقى هناك سؤال يردده السوريون وجميع العالم يعرف اجابته، هل جرت انتخابات حقيقية في سوريا منذ استيلاء حزب البعث على السلطة ب8 آذار 1963 حتى نتحدث عن هذه الانتخابات التي ستحصل بهذه الظروف على أنها انتخابات؟ أي نوع من الانتخابات بلدية نقابية برلمانية، لم يكن هناك شيء في العقل السياسي للسلطة السورية يسمى انتخابات كما هي معروفة بالأدب السياسي.

الروسي يريد إعطاء الانطباع الآن أن الأمور جيدة وأن سوريا دخلت بشيء من الاستقرار، يريد أن يمدد لبشار الأسد 7 سنوات جديدة لأن بشار الأسد هو أداة التواجد الروسي والاستثمار الروسي والتثمير للواقع السوري المرير لمصلحة الوضع الروسي، ولكن يبقى السؤال أمام الروس، بعد أن قاموا بعقد مصالحات في بعض المناطق واشهرها في درعا، هل صارت درعا الآن تنام على مخدة النظام؟ وهل عادت هذه المنطقة التي انطلقت منها شرارة الثورة الأولى إلى النظام؟ فأي نجاح سيكون لانتخابات بالإطار السوري العام إن كانت الجهود الروسية المباشرة في موضوع المصالحات التي جرت في العديد من المناطق قد واجهت الفشل الذريع، فاي نوع من الانتخابات ممكن أن يجري؟ أعتقد أن هذا الموضوع مكشوف والمجتمع الدولي قبل أن يصدر قرار الانتخابات واجه هذا الامر كما يجب، والرأي الأوروبي والأميركي أن هذه الانتخابات ليست انتخابات جدية ولن تكسب النظام أي نوع من الشرعية، فماذا يمكن أن يكسب من شرعية من داخل البيت السوري إن كان من مناطق سيطرته أو من دول اللجوء والانتشار؟

• هل الشعب السوري إن كان في الداخل أم الخارج سيصمت على تعويم الأسد أو ممكن نشهد تحركات، وهل هناك بالمعارضة من يحضر لهذا الاستحقاق والاعتراض على إعادة شرعنة بشار الأسد؟

الجواب مرهون بتطورات الوضع، ولكن يمكنني القول أن ليس ثمة بيان أو نداء أو إصدار ولو من سطرين إلا ويتضمن أنه لا بد من إسقاط بشار الأسد وزمرة الحكم حتى يستقيم الوضع لمستقبل سوريا. لا يمكن أن يكون هناك أي عملية سياسية بوجود بشار الأسد وزمرته، إضافة إلى ذلك هناك محافظات ديرالزور والحسكة والرقة وإدلب مع نصف محافظة حلب وريفها وأكثر هي خارج سيطرته، فعن أي انتخابات سورية نتحدث، العملية هي تسويف سياسي وحتى الآن العديد من المراقبين يشكّون بحصولها، فالروسي متردد بإعطاء الضوء الاخضر لها، ولكنه الآن أيضاً أمام معركته الدولية المفتوحة مع الولايات المتحدة واوروبا بما يتعلق باوكرانيا وغيرها. كل ذلك سيكون له تأثير لأن الروسي صار يستخدم سوريا للأسف كنقطة أساسية للمقايضة في السياسة الدولية، يستخدمها إقليمياً ودولياً.

• أيهما أقوى في سوريا الروسي أم الإيراني؟

على مستوى القوى الظاهرة في الوسط الدولي الروسي أقوى، ولكن إذا سألت السوريين جميعاً أيهما أخطر الاحتلال الإيراني أم الاحتلال الروسي سيقولون الاحتلال الإيراني، لانه اسبق ولأنه ممتد اجتماعياً. النفوذ الروسي موجود في الدولة ومؤسساتها ولهم نفوذ بالقرارات العليا بالمؤسسة العسكرية والأمنية، لكن الخطر الإيراني الأكبر هو بمفاعيله الاجتماعية وعلى الأرض بعمليات الإحلال السكاني وعمليات التجنيس المستمرة والسرّي منها أكثر من المعلن، لذلك الأخطبوط الإيراني في سوريا هو الاخطر، ومن الممكن من خلال الاتفاقات الدولية أن يتحرر السوريون من الاحتلال الروسي ولو بالتدريج، ولكن الاتفاقات الدولية غير كافية لمواجهة ما ارتكبه الإيراني وتغلغل نفوذه الاجتماعي ومن خلال سياسة الإحلال السكاني التي قام بها سيبقى هو الأخطر، لذلك وبما أنه بالنسبة للإيراني سوريا هي قاعدة تنفيذ مشروعه بالعالم العربي وقاعدة الانتشار، لذلك فهو يحرص عليها. من بإمكانه أن يتخيل أن يبقى لبنان بقبضة “حزب الله” إن خرجت إيران من سوريا؟ من لم ير أن الوجود الإيراني بسوريا هو لمد الأذرع إلى أماكن أخرى؟ يحكى عن السودان ومصر وأماكن أخرى يتقدم فيها الإيراني وكله بسبب وجوده في سوريا. من دون شك بالنسبة لنا الاحتلال الإيراني هو الأشد خطورة.

• هل أخطأ جورج صبرا بكلامه عن جبهة النصرة؟

جورج صبرا لم يعلن موقفه الشخصي ولا حتى موقف حزبه حزب الشعب الديموقراطي، دعيني أخبر كيف حصل الأمر، هذا كان موقف المؤسسات التي كنت رئيساً لإحداها وهي المجلس الوطني ونائباً لرئيس الائتلاف، وهذا كان موقف تلك المؤسسات، جرى الأمر في اجتماع مراكش عندما اجتمعت 114 دولة لدعم الائتلاف، بذلك الاجتماع كان رئيس الوفد الأميركي هو السيد ويليم بيرنز (مساعد وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون)، اجتمعنا معه (وفد الائتلاف كاملاً إلى مراكش رئيس الائتلاف الشيخ معاذ الخطيب ونوابه والوفد كاملاً)، وأخبرنا حينها السيد بيرنز أن الولايات المتحدة ستصدر في اليوم التالي قراراً بتصنيف جبهة النصرة كمنظمة ارهابية فتوجهت أنا بالسؤال له عن سبب التصنيف وإن كانت جبهة النصرة قد قامت بأي عمل إرهابي فكان جوابه لا، وبالفعل لم يكن هناك أي عمل إرهابي. فالنصرة كانت في بداياتها، نحن نتحدث عن نهاية عام 2012، وعندما نفى أن تكون النصرة قد قامت بأعمال إرهابية سألته اذن ما هو سبب التصنيف؟ فأجاب أن بعض أعضاء النصرة أو أحد أعضائها لهم علاقة ببعض اعضاء القاعدة في العراق، فقلت له هذا التصنيف تقوم به الدول والأجهزة، أما بالنسبة لنا كسوريين فنحن نصنف التنظيم على أنه ارهابي عندما يتعرض السوريون لإرهاب هذا التنظيم. وانتهينا عند هذا الكلام ولم يستغرب السيد بيرنز موقفنا لأنه كان منطقياً ومتماسكاً، ويذكر الجميع بالمجلس الوطني والائتلاف أن هذه القضية لم تطرح أبداً أولاً لأن معظم مقاتلي النصرة كانوا من السوريين. ثانياً لأن أي تصنيف كان سيدخل الفصائل بحرب أهلية في ذلك الوقت المبكر، لأن في ذلك الوقت كان من بين أعضاء الائتلاف أعضاء من الأركان وممثلين عن الفصائل، وبالتالي لم يصدر أي من المجلس الوطني أو الائتلاف أي كلمة بمواجهة النصرة، فموقف جورج صبرا لم يكن موقفاً شخصياً بل موقف المؤسسات التي يعبر عنها.

في العام 2016 كنا في الهيئة العليا للمفاوضات عندما وضعنا الإطار التنفيذي للحل السياسي وأصدرته الهيئة من لندن، وكنت أحد صانعي تلك الوثيقة، وبتلك الوثيقة كانت المرة الأولى التي تتوافق كل أطراف المعارضة على وضع جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام والقاعدة إلى جانب داعش كمنظمات إرهابية.

على فكرة جزء من مخاوفنا في ذلك الوقت أن جبهة النصرة لم تكن المنظمة المتطرفة الوحيدة، كانت أحرار الشام وفيها آلاف المقاتلين ولايوجد أي اختلاف ولو بسيط بالموقف الإيديولوجي بينها وبين النصرة، وكان هناك جيش الإسلام وزهران علوش الذي قال “الديموقراطية وصباطي سوا”، كان هناك الكثير من الفصائل وجزء منها ممثل بالائتلاف كان لديه هذه الروح، فكان شكل من حماية الفصائل من الاقتتال وتأجيل الصدام، بشكل لا يكون لدينا جروح وصعوبات جديدة فوق كل الصعوبات وهذا كان الموقف الرسمي، فلا الائتلاف ولا المجلس الوطني أصدرا مواقف ضد النصرة في تلك الفترة.

أما إذا كان الموضوع على المستوى الشخصي وعما إذا كنت أشعر بالندم، فنعم كان علينا جميعا ألا نتهاون مع هذا الأمر ونحدده بدقة، والدليل أننا الآن نتحدث عن إرهاب النصرة ببساطة امام السوريين لكن بذلك الوقت لم يكن الأمر ممكناً.

• كم سنة أمضيت في السجن؟

امضيت في زمن حافظ الأسد 8 سنوات بالسجن، و3 سنوات بالملاحقة أي غبت عن بيتي 11 سنة كاملة، وبأيام الثورة اعتقلت مرتين المرة الأولى في العاشر من نيسان أي في بداية أيام الثورة لمدة شهر، والمرة الثانية في شهر تموز لمدة شهرين أمضيتهما بضيافة رستم غزالي، الذي قال لي بالنهاية “جورج انت ما بقى الك حبس عنا، بدك تعمل حالك شغلتنا وعملتنا” فاضطريت وبقرار من الحزب أن أعود إلى حياة التخفي، فعدت إلى الحياة السرية من جديد إلى أن غادرت سوريا بقرار من إعلان دمشق وبدعوة من المجلس الوطني في الأيام الأخيرة للعام 2011.

• من خلال وجودك بالسجن، هل من مشاهدات تتذكرها أو حصل معك أي شيء يمكن كشفه للناس، فالناس تسمع كثيراً عن الاعتقال في سوريا والسجون والتعذيب؟

التعذيب الذي حصل بعد انطلاق الثورة بعهد بشار الأسد لا يمكن تخيله لدرجة اننا نحن الذين امضينا سنين طويلة بالسجون أيام حافظ الأسد صرنا نستحي نحكي عن عذاباتنا، بالتأكيد التعذيب كان موجوداً والموت تحت التعذيب كان موجوداً، لكن ليس بالكمية والشكل الإجرامي الذي ظهر بلا حدود له بعد الثورة، لكن ما أريد أن أذكره هو أنه بأيام الثورة الأولى وأنا في السجن، بالزنزاتين المجاورتين معتقلان آخران يتكلمان مع بعض وكنت اسمع ما يقولانه، يبدو كانا من المؤسسة العسكرية ومن ابناء الطائفة العلوية، يقول أحدهم للآخر “هل قابلوك مع الكبير” وعندما أجابه بنعم سأله إن كانوا سألوه عن قاذفات اللهب، “لا تخف عندما يعود الكبير سنخرج من هنا”، وإذ نكتشف من الحوارات أن بيع السلاح وتسليمه ووضعه أمام الثوار كان بتخطيط من النظام السوري في وقت مبكر لتسليح الناس، لدرجة كانا يتبادلان الأحاديث بالتفاصيل بين الزنزانتين عن قاذفات اللهب، وبالفعل بعد يومين أفرج عنهما، هذا كان في لحظة من اللحظات وفي أحد السجون، فتخيل كيف كان الأمر في باقي المحافظات وكيف كانت الخطة لنقل السلاح وبيعه للآخرين الذين كانوا أيضاً متشوقين لحمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، فكان نقل السلاح ورميه بين أيدي الشعب جزءاً من خطة النظام ليبرر وحشيته بمواجهة الناس.

• أريد أن أسالك عن حادثة كبيرة جداً حصلت في لبنان ألا وهي انفجار المرفأ، وارتباط نترات الأمونيوم، حسب التحقيقات، بشخصيات سورية، والبعض يقول إن النترات كانت تذهب للنظام بينما يقول البعض الآخر إنها كانت تذهب للمعارضة، مع العلم أن الشخصيات التي كشفت عنها التحقيقات والمرتبطة بهذه الشحنة هي شخصيات مقربة من النظام؟ هل يوجد عندك قراءة لوجود هذه النيترات وربطها بالملف السوري تحديداً في هذا التوقيت، وخصوصاً أن كمية كبيرة من شحنة النترات هذه كان قد تم سحبها من العنبر 12 ويقال انها نقلت إلى سوريا؟

تابعت التحقيق الاستقصائي الذي عرضه الإعلام وتم الحديث عنه كثيراً، وفي الحقيقة الأمر ليس بحاجة لجهد كبير ليصل المرء إلى الاستنتاجات، فدخول الشحنة مترافق زمنياً مع بداية استخدام النظام السوري للبراميل المتفجرة، وقد أحصت آخر تقارير حقوقية لمنظمات سورية عدد البراميل التي استخدمها النظام لقصف المدن السورية بنحو 82 ألف برميل، فاذا أخذنا بالاعتبار هذه الشخصيات السورية المشبوهة وعلاقتها بالمصارف والشركات التي أمنت دخول شحنة الأمونيوم وتخزينها بهذا الشكل، وإذا كانت الكمية التي انفجرت ليست إلا قسماً صغيراً من الكمية التي أدخلت، فما هو المطلوب إمساك الفاعل؟ الفاعل معروف ونترات الأمونيوم التي انفجرت دورها معروف في سوريا، وللأسف لم يكتفوا بأن تكون ضحاياه من الشعب السوري فقط، بل إن هذا الأمر وجد طريقه لضحايا لبنانيين. الأمر لا يحتاج إلى الكثير من البحث، وما يأتي من التحقيقات القضائية والجنائية اللبنانية لا يشفي الغليل، وخصوصاً أن السلطة الحقيقية الموجودة والحاكمة الفعلية للبنان والقابضة على مفاصل الحكم هي التي غطت دخول النترات وتخزينها كل هذه الفترة، وهي نفسها التي تغطي اليوم واقعة الانفجار.

• بخصوص اللاجئين السوريين في لبنان، هل تعتقد أن هناك نهاية قريبة لهذا اللجوء وعودة إلى سوريا وخصوصاً في ظل محاولات من قبل لبنان واضحة إن من خلال الأمن العام أو حزب الله أو من وزير النازحين بما يمثل من تبعية لمحور الممانعة، متى يعود اللاجئ وخصوصاً الموجود في لبنان والمناطق المجاورة لسوريا إلى قريته ومدينته؟

لو نظرنا إلى حالة اللاجئ السوري بكل دول اللجوء وخصوصاً في لبنان، فهل هناك ما يغري اللاجئ أن يبقى في لبنان؟ هذا اللاجئ لم يخرج لأنه جائع ولا يوجد طعام في بلده، بل خرج لأن الأمن بات معدوماً بالكامل، فكيف لنا أن نتخيل أن اللاجئ سيعود في الوقت نفسه الذي نرى الشباب السوري يخرج سيراً على الاقدام من اللاذقية ليصل إلى إدلب وليجد مفراً من البلد. الأمر الحقيقي الممكن أن يكون صادقاً وواقعياً بموضوع عودة اللاجئين الحرة والكريمة هو المباشرة بالحل السياسي بإشراف الأمم المتحدة والبدء بتطبيق القرار 2254 بشكل حقيقي وجدي. لقد خرج السوريون من بلدهم بسبب وجود خطر حقيقي وجدي على حياتهم وحياة أطفالهم، وهذه المخاطر لم تزل أو تتغير بأي مكان، لذلك نرى أن جميع الجهود لإعادة اللاجئين وهم يعيشون في أسوأ الظروف في لبنان وغيره، لم تحصد سوى عودة بضع عشرات منهم إلى سوريا، ومع ذلك قسم من العائدين تعرض للمساءلة والاضطهاد والاعتقال، فزادت حركة اللجوء من الداخل إلى الخارج. وكي تصبح الحركة من الخارج إلى الداخل لابد من تغيير الوضع داخل سوريا وذلك التغيير يبدأ بتغيير السلطة السياسية وبدء تنفيذ مشروع الحل السياسي، فالأمر ليس مجرد وعود “لا يوجد شيء في سوريا فليعودوا”، الأمر متعلق بالنظام السياسي الطارد والقاتل والذي مازال مستمراً بالنهج نفسه، لذلك مهما كان حجم الضغوط فإن عودة اللاجئين لن تتم إلا بمباشرة الحل السياسي.

• اليوم هناك اشتباك جديد بين لبنان وسوريا وهو موضوع الحدود البحرية شمال لبنان وما يرتبط بالغاز، هل عندك اطلاع على الموضوع أو طريقة تعاطي النظام السوري مع هذا الملف؟

النظام السوري من الأساس لا يحترم لبنان كدولة شقيقة وجارة، حتى بعدما أقام علاقات ديبلوماسية مع لبنان ما زال بشار الجعفري يتحدث أن لبنان ما يزال جزءاً من سوريا، فالسلطة السورية لا تنظر باحترام للدولة اللبنانية واستقلالها وسيادتها، لا نريد العودة بالحديث إلى تصرفات ضباط الأمن السوري في لبنان مع السياسيين اللبنانيين من كبيرهم لصغيرهم، فهذا الموضوع معروف لدى الجميع، أما ما يتعلق بموضوع الحدود فالجميع يعلم مثلا موضوع مزارع شبعا، مزارع شبعا محتلة منذ عام 1967 ولم يكن هنالك أي اشارة من لبنان أن هناك أرضاً لبنانية محتلة خلال حرب 67، وللأسف بعد الـ 2000 أراد “حزب الله، أن يثبت سلاحه ويبرره، فخرج علينا بقصة المقاومة لتحرير المزارع، ولكن السلطات السورية لم تعترف بلبنانية المزارع لا خلال وجودها في لبنان ولا بعدما خرجت منه. لكن الموضوع موضوع لبناني والآن السؤال ما هو جواب التيار الوطني الحر وحلف المقاومة و”حزب الله” عن هذا الموضوع، السؤال يجب أن يكون موجهاً لهم الاآن “هذا حليفكم شوفوا شو بدكم تعملوا”، أما ما يتعلق بالحدود البحرية فالنظام السوري أعطى شركات النفط الروسية حق التنقيب أمام الساحل السوري ليعقد الأمر ويجعلها أبعد من موضوع سوري لبناني، فالمطلوب كان حلاً ودياً لهذه القضية لا أن يدخلها بإطار دولي على طريقة مشكلة الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية.

• ماذا تقول اليوم للسوريين واللبنانين والعرب، سوريا اليوم إلى أين؟

للأسف الحل السياسي ما زال محتجزاً، ولم تتوفر حتى الآن الإرادة الدولية لتطبيقه، ليس هنالك حجم من التوافق الدولي لمباشرة الحل السياسي رغم أن أساسياته موضوعة منذ سنة 2012 بمعرفة كل الدول، وهناك قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة 262/67 قرارات مجلس الأمن 2218 و2254، أسس الحل السياسي موضوعة بسوريا أكثر مما هي موضوعة للوضع في اليمن أو ليبيا، لكن الوضع في سوريا لا يزال محتجزاً والعملية السياسية ممسوكة. للأسف لا يوجد رؤية واضحة، إلى أن تتضح الاستراتيجية الأميركية للمنطقة عموماً وللأزمة السورية خصوصاً… وما يزيد من قلقنا أن التصريحات الأخيرة للرئيس بايدن تحدث خلالها عن اليمن وليبيا وقضايا أخرى في المنطقة ولكنه لم يتحدث عن القضية السورية، وهذا يلقي بعبء إضافي على كاهل السوريين، بأن العملية السورية ستبقى مفتوحة، صحيح أن العمل العسكري انخفض ولكن هذا لا يحول دون تجدد التراشق بين حين وآخر. وهذا ما يبقي السوريين بالمدى المنظور تحت رحمة الحروب ونتائجها، وتحت رحمة المجاعة، لأن الليرة السورية أصبحت أمام الدولار جزءاً من أربعة آلاف، وأيضاً مع الأسف أبواب الهجرة لم تغلق بعد.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us