الأكراد في سوريا: بين التفاوض مع دمشق والطموح للاعتراف الدستوري

ماهر الحمدان
قوات قسد

في قلب التحولات السياسية التي تشهدها سوريا والمنطقة، تتبلور القضية الكردية كسرد معقد يتداخل فيه التاريخ والهوية والسياسة الدولية. ليست المطالب الكردية مجرد مطالب دستورية أو آليات حكم ذاتي، بل هي قصة صراع طويل الأمد على الاعتراف والاندماج في مستقبل دولة تعددية، وسط ظروف تفرضها تقلبات السياسة الداخلية والتأثيرات الاقليمية والدولية. ومن خلال محاولات توحيدية برعاية فرنسية وأميركية، تسعى القيادة الكردية إلى إعادة كتابة فصل جديد من تاريخها، مبنية على مفاهيم “سوريا ديموقراطية تعددية لامركزية” تضمن لها حقوقها المشروعة. يستعرض هذا المقال تحليلاً سردياً للأحداث الراهنة، مسلطاً الضوء على اتفاق كردي-كردي معتمد على توافقات داخلية وخارجية، ومحاولات كسر الجمود السياسي الذي طال أمده في سوريا.

وبينما تتجه الأنظار إلى مستقبل الادارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها، كشفت مصادر خاصة لموقع “لبنان الكبير” عن مفاوضات جارية بين القيادة الكردية والحكومة السورية، تهدف إلى دمج مؤسسات الادارة الذاتية ضمن هيكلية الدولة السورية، في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مسار الصراع السوري، لكنها تثير تساؤلات حول مدى جدية النظام في منح الأكراد حقوقاً حقيقية، بعيداً من العودة إلى سياسات التهميش والإنكار التي عانوا منها لعقود طويلة.

اتفاق كردي – كردي برعاية فرنسية وأميركية

ما يجري من اتفاق كردي-كردي، المرعي فرنسياً وأميركياً، يهدف في الواقع إلى تضمين حقوق الكرد في الدستور السوري والمطالبة بـ”لامركزية الدولة”. الاتفاق حتى اللحظة شمل “المجلس الوطني الكردي” (الإنكسة) و”حزب الاتحاد الديموقراطي” (PYD)، ومن المرجح أن تنضم إليهما أحزاب “الوحدة الوطنية” (بينكه)، بحيث قدمت ورقة للمبعوث الفرنسي تتقاطع بصورة كبيرة مع أوراق “الإنكسة”. توقيع الاتفاق ينتظر قدوم المبعوث الفرنسي. كما سيكون هناك مؤتمر لكل الأحزاب الكردية، وستتم دعوة شخصيات كردية بارزة إليه. ومن المتوقع تشكيل وفد لمقابلة الرئيس السوري المقبل والحكومة الجديدة، بهدف وحيد هو التفاوض على “سوريا ديموقراطية تعددية لامركزية”، وضمان تثبيت حقوق الأكراد في الدستور الجديد.

وفقاً لما قالت مصادر لـ “لبنان الكبير”، فإن القيادة الكردية توصلت إلى اتفاق مع الحكومة السورية يقضي بدمج مؤسسات الادارة الذاتية في إطار الدولة السورية. يشمل الاتفاق دمج المؤسسات المدنية والعسكرية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز، إضافة إلى الالتزام بوقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية.

التفاوض مع دمشق: شروط وضمانات

بحسب رئيس حزب التآخي الكردستاني، عدنان كيلو، لموقع “لبنان الكبير” فإن مشاركة الأكراد في الاتفاقات السياسية تأتي لضمان حقوقهم ضمن إطار قانوني وسياسي يحفظ وجودهم وهويتهم، ويمنحهم حق إدارة شؤونهم بحرية في ظل نظام ديموقراطي تعددي. ويؤكد كيلو أن الغاية الأساسية من أي اتفاق يتم التفاوض عليه يجب أن تركز على الاعتراف الدستوري بالكرد كمكون رئيسي في البلاد، مع توفير ضمانات قانونية تمنع العودة إلى السياسات الإقصائية. لكنه يحذر من أن أي دستور جديد لا يعترف بالكرد سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، ويعمّق حالة عدم الاستقرار.

ويضيف: ان الهدف لا يقتصر على ذكر الأكراد في الدستور وحسب، بل يتعداه إلى إنشاء آليات تضمن مشاركة فعلية لهم في إدارة البلاد، سواء من خلال الفيدرالية، أو اللامركزية الموسعة، أو أي صيغة أخرى تحقق حُكماً ذاتياً حقيقياً ضمن الدولة السورية. كما يشدد على أن أي اتفاق لا يحظى بإجماع كردي سيكون عرضة للفشل أو للاستغلال من الأطراف الأخرى.

ويرى كيلو أن النظام المركزي في سوريا أثبت فشله على مدى العقود الماضية، وكان أحد العوامل التي أدت إلى تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية. ويؤكد أن بناء سوريا جديدة يستدعي إعادة النظر في شكل النظام السياسي، واعتماد حلول أكثر واقعية، مثل اللامركزية، التي تمنح كل مكون إدارة شؤونه ضمن إطار الدولة الواحدة. لكن في ظل الظروف السياسية الراهنة، يواجه هذا الخيار تحديات كبيرة، أبرزها رفض النظام السوري لأي شكل من أشكال اللامركزية الحقيقية، إضافة إلى تدخلات إقليمية ودولية تجعل من هذا الملف ورقة ضغط سياسية. ومع ذلك، فإن تجربة الادارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها تقدم نموذجاً يمكن البناء عليه ليكون جزءاً من الحل السياسي الأشمل للبلاد.

الدور الدولي: دعم مشروط أم التزام طويل الأمد؟

بحسب كيلو، فإن الدور الفرنسي والأميركي في تقريب وجهات النظر بين الأحزاب الكردية كان إيجابياً إلى حد ما، لكنه لم يصل إلى المستوى المطلوب من الضمانات السياسية والقانونية. فعلى الرغم من الدعم الأميركي السياسي والعسكري للإدارة الذاتية، لم تقدم واشنطن موقفاً حاسماً يضمن إدماج الأكراد في الحل السياسي النهائي. أما فرنسا، فاقتصرت جهودها على محاولات ديبلوماسية لم تترجم إلى خطوات عملية على الأرض. ويشدد كيلو على أن الأكراد بحاجة إلى ممارسة ضغوط أكبر على هذه القوى لضمان دعم حقيقي، وليس مجرد دعم ظرفي مرتبط بالمصالح السياسية المتغيرة لهذه الدول.

كما يشدد على أن توحيد الأحزاب الكردية يمثل أولوية قصوى في هذه المرحلة، لأن أي انقسام داخلي سيضعف الموقف الكردي ويمنح الأطراف الأخرى فرصة لفرض شروطها. ومن بين الاستراتيجيات التي يقترحها لضمان وحدة الصف الكردي: فتح قنوات حوار مباشرة بين جميع الأحزاب والقوى الكردية من دون أي استثناء، الاتفاق على رؤية مشتركة تحدد الحد الأدنى من المطالب التي يجب الدفاع عنها في أي مفاوضات قادمة، الابتعاد عن الحسابات الحزبية الضيقة والتركيز على المصلحة القومية للشعب الكردي، وإشراك مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة في جهود المصالحة.

مستقبل الأكراد: خيارات مفتوحة أم قيود سياسية؟

في ظل هذه التطورات، لا يزال مستقبل الأكراد في سوريا غير واضح، بحيث يعتمد بصورة كبيرة على مدى نجاحهم في التفاوض مع الحكومة السورية، وقدرتهم على الحفاظ على وحدة صفوفهم، وضمان دعم دولي حقيقي لقضيتهم. ويختم كيلو بالقول: “نحن لا نبحث عن حلول مؤقتة أو اتفاقات هشة، بل عن ضمانات سياسية وقانونية دائمة تضمن للأكراد حقوقهم المشروعة ضمن سوريا ديموقراطية تعددية. إن عدم الاعتراف بهذه الحقوق سيؤدي فقط إلى استمرار الأزمة وعدم الاستقرار في البلاد”.

شارك المقال