فضيحة التسريب التي هزت واشنطن… “غباء المستخدم” يخرق “سيغنال”

محمد شمس الدين

في عالم تتقاطع فيه الخصوصية مع الأمن القومي، برز تطبيق “سيغنال” كأحد أشهر أدوات المراسلة المشفرة، لكنه تحوّل حديث الاعلام العالمي بعد تسريب غير مسبوق لكبار مسؤولي الأمن في إدارة دونالد ترامب أثناء مناقشة خطط عسكرية سرية عبره. فكيف حدثت الفضيحة؟ وما تداعياتها على مفهوم الأمن الرقمي؟

تطبيق “سيغنال”

يُعد “سيغنال” تطبيق مراسلة مشفّراً من طرف إلى طرف، أُطلق عام 2014 بواسطة مؤسسة غير ربحية، ويتميز بعدم جمع بيانات المستخدمين أو تخزينها. يعتمد على تشفير مفتوح المصدر، ما يسمح للمطوّرين المستقلين بمراجعة كود البرنامج واكتشاف الثغرات. على الرغم من أن عدد مستخدميه يقدر بـ70 مليوناً (أقل بكثير من “واتساب” الذي يخدم مليارات)، إلا أنه يحظى بثقة النشطاء والمسؤولين الحكوميين بسبب أمانه.

أبرز مميزاته:

– إمكان حذف الرسائل تلقائياً بعد فترة محددة.

– تشفير شامل للمكالمات والرسائل.

– عدم ربط الحسابات بالهوية الحقيقية للمستخدمين سوى عبر رقم الهاتف.

كيف تسرّبت خطط الحرب؟

في 15 آذار الماضي أُضيف جيفري غولدبرغ، رئيس تحرير مجلة “ذا أتلانتيك”، عن طريق الخطأ إلى مجموعة دردشة على “سيغنال” تضم كبار مسؤولي إدارة ترامب، بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، ومستشار الأمن القومي مايك والتز، ومدير CIA جون راتكليف. ناقشت المجموعة تفاصيل عملياتية لضربات جوية مزمعة ضد الحوثيين في اليمن، شملت توقيت الهجمات وأنواع الأسلحة المستخدمة وحتى تحركات قيادات الحوثيين.

الخطأ البشري

لم يكن الاختراق تقنياً، بل نتج عن خطأ في إدخال رقم هاتف غولدبرغ بدلاً من أحد المسؤولين. كشفت المحادثة:

– تنسيق ضربات جوية بتفاصيل دقيقة، مثل إطلاق طائرات “إف-18” وصواريخ “توماهوك”.

– معلومات استخباراتية عن مراقبة قيادات حوثية، كتتبع أحدهم إلى “مبنى صديقته” قبل الهجوم.

– انتقادات لاذعة من الكونغرس حول كفاءة فريق ترامب الأمني.

نفت إدارة ترامب وجود معلومات سرية في المحادثة، ووصفت التسريب بأنه “مداولات داخلية” غير مصنّفة. وأكد والتز تحمّله المسؤولية عن الخطأ، بينما هاجم ترامب القضاء الذي أمر بحفظ الرسائل كسجلات حكومية.

ولكن القاضي جيمس بوزبيرغ أصدر أمراً بحفظ جميع رسائل المجموعة من 11 إلى 15 آذار، استجابة لدعوى قضائية رفعتها منظمة “أميركان أوفرسايت”، التي اعتبرت استخدام التطبيق انتهاكاً لقوانين حفظ السجلات الحكومية.

وحذر مسؤولون استخباراتيون من أن التسريب كشف عن أساليب المراقبة الأميركية (مثل المراقبة الجوية)، ما قد يمكن الحوثيين من تفاديها مستقبلاً.

الحكومات تستخدم “سيغنال”

على الرغم من امتلاك بعض الدول أنظمة اتصال داخلية (كالصين وروسيا)، تعتمد الحكومات على التطبيقات العامة لأسباب عدة:

– التكلفة: تطوير أنظمة خاصة مكلف ويستغرق سنوات.

– الكفاءة: سهولة استخدام واجهات مألوفة تُقلل مقاومة المسؤولين غير التقنيين.

– التشفير المفتوح: يعتبر أكثر أماناً من الأنظمة المغلقة التي قد تحتوي ثغرات خفية.

لكن الفضيحة كشفت مفارقة: على الرغم من أمان “سيغنال” التقني، فإن “غباء المستخدم” (كإضافة أشخاص غير مصرحين) يظل نقطة ضعف قاتلة. كما كشفت أن أمان التطبيق لا يعني أمان المنظومة، فحتى مع تشفير متقدم، يبقى العنصر البشري الحلقة الأضعف، وذلك يدعو إلى ضرورة التدريب الأمني، بحيث يحتاج المسؤولون إلى توعية عن مخاطر الأخطاء البسيطة، وسط تساؤلات عن وجود ضرورة لاستثمارات أكبر في بنى تحتية اتصالات آمنة؟

وتبقى الفضيحة تذكيراً صارخاً بأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فالثقة الزائدة في الأدوات الرقمية قد تتحول إلى فخ عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي.

ففي زمنٍ تتحوَّل فيه الشفرات إلى حُصونٍ منيعة، تذكّرنا فضيحة “سيغنال” بأنَّ التكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، تظلُّ مرآةً تعكس هشاشتنا البشريَّة. فما بنته الخوارزميات من جدرانٍ شفافة حول البيانات، انهار في غمضة عينٍ أمام سهوِ إصبعٍ أضافَ الغريبَ إلى دائرة الأسرار.

هنا، حيث تلتقي برودة الأصفاد الرقميَّة بدفء الأخطاء البشريَّة، تبرزُ مفارقةٌ وجوديَّة: كيف لـ “سيغنال” أن يُشفر الرسائلَ بلا ثغرة، لكنه يعجز عن تشفير غفلةِ مَن يستخدمونه؟ وكيف لوزير الدفاع، الذي يدير جيوشاً بميزانياتٍ تُقاس بالتريليونات، أن ينسى أنَّ أمانَ الوطن يبدأ بضغطة زرٍّ في تطبيق؟

ربما تكمنُ العِبرةُ الأعمق هنا: ليست الثغراتُ في الشفرات، بل في العقول التي تتعامل معها. فالتاريخ يُعلّمنا أنَّ أعتى القلاع سقطتْ حين خانها حراسُها، لا حين اخترقها الأعداء. هكذا، تتحوَّل الفضيحةُ إلى قصيدةٍ رمزيَّة تُلخّص صراعَ العصر: صراعٌ بين ذكاءِ الآلة وسذاجة الإنسان، بين براءةِ التكنولوجيا وخطيئتها الأبدية: الثقةَ بمَن لا يستحق.

وعلى الرغم من أن “أسرار الدولة” في بلد كلبنان لا تقارن بدولة عظمى كأميركا، إلا أنها تبقى أسراراً قومية، ويجب على السلطة الاتعاظ من “فضيحة سيغنال”، لا سيما أن حكومة لبنان تستخدم نظام المجموعات في تطبيق “واتساب” وقد تسرّب منه أحاديث في السابق.

شارك المقال