“قعدنا 18 يوم بالبيت بس، وقصفته اسرائيل”، بنبرة لا تخلو من الحزن الشديد، يمسح علي مسلماني دمعته التي خانته، بعدما ظل متظاهراً بالقوّة والثبات طيلة فترة الحرب.
فقد علي بيته للمرّة الثانية على التوالي في فترة لا تتجاوز السنة ونصف السنة، في بلدة الناقورة الحدودية، التي كان العدو الاسرائيلي قد دخلها خلال فترة الحرب، ومكث فيها حوالي الشهر قبل أن ينسحب منها.
يقول مسلماني لموقع “لبنان الكبير”: “الاسرائيلي جرف بيتي لمّا فات على الضيعة. وفور انسحابه منها، قررت العودة اليها مجدداً، فكانت فكرة البيت الجاهز هي الأنسب والأسرع من ناحية الامكانات الموجودة، كون إعادة الاعمار ستستغرق عدّة سنوات”.
ويوضح أنه حصل على تعويض لبدل الإيواء، وعوضاً معن استئجار شقّة، فضلّ شراء بيت جاهز، ووضعه بمحاذاة بيته الذي جرفه العدو، يقول: “بعدني لهلق مش متقبل الفكرة انو البيت التاني راح، أوقات دموعي لحالهم بينزلوا بس اتذكر”. يصف شعور الفرح الذي عاشه عندما كان يضع اللمسات الأخيرة على البيت الذي تحوّل في ثوان إلى كتلة نيران التهمت كلّ شيء.
ويؤكد مسلماني أن العدو لم يكن يريد قتله، بل أراد ببساطة منع أي أثر لعودة الحياة في المنطقة الحدودية، “نطروني بس طلعت من البيت، وقصفوه، وعندها شعرت أنني خسرت كلّ شيء”.
رئيس بلدية الناقورة عباس عواضة، يحصي عدد البيوت الجاهزة التي تمّ استهدافها منذ أسابيع قليلة، ويقول لموقع “لبنان الكبير”: “ضربوا 5 بيوت من أصل 12 بيتاً جاهزاً، ولا أخفي سراً أن هذا الأمر أحبط عزيمة الناس الذين كانوا يصممون على العودة”.
ويؤكد عواضة أن هذه الاستهدافات المتكررة هدفها قتل الحياة في المنطقة، وترهيب السكان، لمنعهم من العودة، وبالتالي السعي الى تحويل القرى الحدودية إلى “منطقة عازلة”، وهذا وفق تصريحات الجيش الاسرائيلي، الذي يسعى إلى تحقيق هذا المطلب بأي ثمن.
يعيش في الناقورة اليوم، حوالي 10% من سكانها، بحسب عواضة، جزء منهم عاد ليسكن في البيوت المتضررة، التي أجرى عليها بعض التعديلات لتصبح صالحة للعيش، وكان آخرون من أهالي البلدة يفكرون في وضع بيوت جاهزة فوق ركام بيوتهم، إلاّ أن الاستهدافات الأخيرة جعلتهم يفكرون في الأمر مرّة أخرى قبل الاقدام على وضعها كخطوة تدريجية للعودة إلى البلدة.
ويشير عواضة إلى أن العودة إلى القرى الجنوبية، وخصوصاً الحدودية هو أمر واجب لمنع تحقيق رغبة العدو في تهجير أهالي الجنوب، كما أن الحفاظ على حياة السكان هو واجب أيضاً، ومن مسؤوليتهم، ويضيف: “الناس مصرّة على العودة”.
وحول الحدّ من وضع البيوت الجاهزة أو منعها لأسباب أمنية في الوقت الحالي، يعتبر عواضة أن “هذا الأمر يقرره أصحاب البيوت، ولا نتدخل فيه”.
وفي خطوة تشجيعية لإعادة الروح إلى البلدات التي سلب منها العدو الحياة، أعلنت جمعية “وتعاونوا”، في وقت سابق عن مشروع يسعى إلى دعم المزارعين في المرحلة الأولى، بالاضافة إلى تقديم بيوت جاهز. ويوضح رئيس الجمعية عفيف شومان، لموقع “لبنان الكبير”، أنّ “الهدف الأساسي للمبادرة هو مساعدة المزارعين في العودة إلى نشاطهم الزراعي بسرعة من خلال توفير بيوت جاهزة للمبيت بالقرب من أراضيهم. كما سيتم تأمين مستلزمات وأدوات زراعية ضرورية، بما في ذلك الأدوية الزراعية، لتسهيل استئناف العمل الزراعي في المنطقة”.
إضافة إلى البيوت الـ 25 في بلدة راميا، تمّ تسليم بيوت جاهزة أخرى لعدد من البلدات المجاورة مثل كفركلا، عديسة، بليدا، مركبا، يارون، مارون الراس، محيبيب، ميس الجبل، حولا وشيحين، بحسب رئيس الجمعية، وذلك بهدف استخدامها كمراكز تواصل ومعلومات لخدمة البلدية والجهات المانحة والوفود التي تسعى الى دعم إعادة الاعمار في المنطقة.
ويشير شومان إلى أن “الجمعية ستواصل توسيع نطاق مساعداتها والمشاريع التنموية لتشمل جميع الجوانب التي تسهم في عودة الأهالي واستقرارهم في القرى الحدودية، بما في ذلك الدعم الغذائي، والأدوية، والمشاريع الزراعية، وكلّ ما من شأنه تسريع استقرار السكان في أرضهم”.


