في عالم تتداخل فيه معايير الأمن مع الاقتصاد، والتكنولوجيا مع السياسة، تحوّلت الطائرة المقاتلة F-35 إلى رمز يتجاوز حدود ساحة المعركة. إنها ليست مجرد آلة طيران خارقة، بل عنوان لمعركة شرسة على النفوذ العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو. من صفقات التسليح إلى التوازنات الجيوسياسية، تُمثّل F-35 رأس حربة في سباق السيطرة على سماء العالم.
F-35 تكتسح أسواق السلاح العالمي
منذ ظهورها أواخر العقد الأول من القرن الحالي، سيطرت الطائرة المقاتلة F-35 Lightning II من شركة “لوكهيد مارتن” الأميركية على المنافسات الدولية، من هولندا (2002) إلى فنلندا (2022)، مروراً ببلجيكا وسويسرا وكندا. ولم ينجُ من هذا التمدد سوى دول محدودة: فرنسا والسويد (بفضل طائرتيهما المحليتين رافال وغريبن)، والمجر (المتقاربة مع روسيا)، وإسبانيا (ذات الميزانية الدفاعية الهزيلة ضمن الناتو).
أثبتت F-35، على الرغم من انتقادات تكاليفها الباهظة ومشكلات التوافر والاعتماد على التكنولوجيا الأميركية، أنها الخيار الأبرز لـ14 قوة جوية في حلف الناتو، بالاضافة إلى دول المحيط الهادئ الحليفة لواشنطن (أستراليا، كوريا الجنوبية، اليابان وسنغافورة). وبحسب إحصائيات 2024، فإن 55% فقط من أسطول الـB-2 الأميركي (الذي يضم 20 طائرة) قادر على تنفيذ المهام، ما يزيد الضغوط لتعويض النقص بالاعتماد على الـF-35.
ترامب يفتح أبواب التصدير.. وأوروبا قلقة
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتعيين بيت هيغيث وزيراً للدفاع، تسارع واشنطن الى تصدير الـF-35 الى دول كانت مُستثناة سابقاً، مثل الامارات والسعودية، عبر صفقات بمليارات الدولارات. لكن هذه الخطوة تهدد صناعة الطائرات الأوروبية (يوروفايتر تايفون ورافال)، خصوصاً مع إعلان دول الناتو مثل البرتغال وكندا مراجعة خطط شراء الـF-35، فيما تُراجع ألمانيا طلبها لـ35 طائرة.
ريتشارد أبولافيا، الخبير في “أيرودايناميك أدڤايزوري”، يحذر: “إذا تخلى الناتو عن الـF-35، فسيخسر الحلف قدرات هجومية استثنائية”.
لكن المخاوف الأوروبية تتجاوز الجدوى العسكرية إلى الشكوك السياسية، بحيث هناك مخاوف من الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية، فيما تسري إشاعات عن وجود “زر إيقاف” سري (Kill Switch) تتحكم به واشنطن لتعطيل الطائرات، وهو ما نفته دول مثل بلجيكا وسويسرا.
وتخشى أوروبا من توقف الدعم الأميركي في حال صراع مع روسيا، خصوصاً مع تصريحات ترامب المناهضة للناتو وتقاربه مع الكرملين.
معضلة بريطانيا: F-35 أم يوروفايتر؟
تُواجه بريطانيا خياراً مصيرياً: شراء المزيد من طائرات F-35 أو الاستثمار في طائرات يوروفايتر تايفون الأوروبية. وعلى الرغم من مشاركة شركة BAE Systems البريطانية في كلا البرنامجين (15% من تصنيع الـF-35 و37% من اليوروفايتر)، فإن الاتجاه نحو الأميركية يهدد بفقدان آلاف الوظائف في قطاع الصناعات الدفاعية.
من ناحية أخرى، تُفضل القوات الجوية الملكية (RAF) الطرازF-35A (الأرخص تكلفة والأعلى حمولة)، بينما قد تُهمش البحرية الملكية الطرازF-35B (القابل للإقلاع القصير) مع احتمال إيقاف إحدى حاملات الطائرات. لكن اليوروفايتر تتفوق في سرعة الاعتراض والصعود إلى ارتفاعات عالية، ما يجعلها الأنسب للدفاع الجوي الفوري.
تقرير SIPRI: تحوّلات جيوسياسية في سوق السلاح العالمي
كشف تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) عن تحولات كبرى في تجارة الأسلحة بين 2020-2024:
أوكرانيا أصبحت أكبر مستورد للسلاح في العالم (9% من الصادرات العالمية)، بينما زادت واردات أوروبا بنسبة 155% بسبب التهديد الروسي.
الولايات المتحدة لا تزال المُصدر الأول (43% من السوق)، بينما تراجعت صادرات روسيا 63% بسبب الحرب واحتياجاتها المحلية.
الهند والسعودية والصين شهدت انخفاضاً كبيراً في الاستيراد على الرغم من التوترات الاقليمية.
صراع الهوية بين الاستقلال الأوروبي والتبعية الأميركية
تُجسد معركة الـF-35 صراعاً أعمق داخل الناتو:
الاستقلال الصناعي: تسعى ألمانيا وفرنسا الى تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية عبر مبادرات مثل ReArm Europe، بينما تُصر واشنطن على ربط الشركاء بتكنولوجياتها.
التكتل ضد التهديدات: على الرغم من انتقاداتها، تُقر دول الناتو بأن الـF-35 تقدم مزايا لا غنى عنها في مواجهة أنظمة الدفاع الروسية والصينية، مثل التخفي المتقدم وقدرة حمل الأسلحة النووية التكتيكية.
في النهاية، يُلخص سيث جونز من مركز CSIS الموقف: “العالم يتجه نحو الطائرات غير المأهولة، لكن الـF-35 ستظل العمود الفقري للقوة الجوية الغربية لعقود”.
بينما تبقى أوروبا أمام مفترق طرق: الاستمرار في الاحتماء بالمظلة الأميركية أو المغامرة نحو استقلال عسكري مُكلف.


