إرهاب في الأردن… ما علاقة لبنان؟

لبنان الكبير

كشفت التحقيقات الأمنية الأردنية عن واحدة من أخطر الخلايا الإرهابية التي جرى إحباطها في السنوات الأخيرة، بحيث أفشلت دائرة المخابرات العامة مخططاً معقداً ومتشعباً يهدف إلى تصنيع صواريخ محلية داخل المملكة باستخدام معدات متطورة، ضمن مشروع مدعوم من جهات خارجية وتدريب في لبنان، وتورّط فيه عناصر منتمون الى جماعة “الإخوان المسلمين” غير المرخصة.
وبحسب التفاصيل التي نشرتها الجهات الرسمية الأردنية، فإن المخطط كان يهدف إلى تهديد أمن المملكة عبر تصنيع صواريخ قصيرة المدى وتخزينها، وتصل إلى مدى يتراوح بين 3 إلى 5 كيلومترات، وهو ما شكّل تهديداً مباشراً للأراضي الأردنية.

تدريبات سرية في بيروت

قادت التحقيقات إلى الكشف عن دور محوري للبنان في هذا المخطط، إذ تولّى المتهم الرئيس، إبراهيم محمد، المنتمي الى تنظيم “الإخوان المسلمين”، ترتيب زيارات سرّية الى بيروت لاثنين من عناصر الخلية، هما عبد الله هشام ومعاذ الغانم، بهدف تلقي تدريبات متخصصة في تصنيع هياكل الصواريخ داخل مخرطة يديرها أشخاص مرتبطون بالتنظيمات المسلحة.
وبحسب اعترافات المتهمين، التقيا في لبنان بشخص يدعى “أبو أحمد”، وعرّفهما على آلية تصنيع الصواريخ، وخضعا لفحص أمني (فحص الكذب) قبل بدء التدريبات في مخارط لبنانية مموّهة تحت غطاء كاراج بناية. وتم تلقينهما كيفية العمل على ماكينات الخراطة اليدوية وتصنيع قطع تُستخدم في صواريخ مشابهة لطراز “غراد”.
وأكدت الاعترافات المصورة أن زيارات بيروت كانت جزءاً أساسياً من مراحل التنفيذ، إذ عاد المتهمان إلى الأردن بعد انتهاء التدريب، ليبدآ بتأسيس منشأة للتصنيع في الزرقاء ومستودعاً آخر في منطقة النقيرة بعمان. وتم تجهيز هذه المواقع بآلات CNC وماكينات خراطة يدوية، إضافة إلى باب إسمنتي مموّه لإخفاء المعدات الجاهزة.

تورّط الحزب ودور إيراني في التمويل والدعم اللوجيستي

المعلومات التي رشحت من التحقيقات تشير إلى احتمال وجود صلة بين الخلية وبين جهات لبنانية محسوبة على “حزب الله”، بحيث تم تدريب العناصر الأردنية في الجنوب اللبناني من عناصر تنظيمية مجهولة الهوية. كما رُصد استخدام شبكة اتصالات ووسائل تمويل مشتبه بها مرتبطة بدول إقليمية، وفق مصادر مطلعة.
مصادر رسمية أردنية لم تُسمِّ “حزب الله” صراحة، لكنّها لم تستبعد تلقي الخلية دعماً تدريبياً ولوجيستياً من عناصر تابعة له أو تعمل تحت مظلته، خصوصاً في ضوء التدريبات التي جرت في جنوب لبنان، والذي يعدّ معقلاً لوجود “حزب الله” العسكري والسياسي.

كما أشارت التقارير إلى دلائل على وجود تمويل إيراني غير مباشر، في إطار ما وصفه النائب الأردني مازن القاضي بـ”بقايا مشروع الهلال الشيعي” الممتد من طهران إلى بيروت، والذي حاول النفاذ إلى الداخل الأردني.

تصنيع 300 صاروخ وتخزين متفجرات عالية الخطورة

ضبطت معدات كافية لتصنيع ما يصل إلى 300 صاروخ قصير المدى مستنسخ عن صاروخ “غراد”، باستخدام قطع معدنية أنبوبية ومخروطية وهياكل هندسية متقنة. وذكرت التحقيقات أن الخلية كانت تنتظر تزويد هذه النماذج بمحركات دفع وصواعق تصادمية ومواد شديدة الانفجار من نوع TNT، C4، وSEMTEX-H.
كما ضبطت الأجهزة الأمنية مستودعات تخزين داخل العاصمة عمان ومحافظة الزرقاء، إضافة إلى كشف خلية أخرى كانت تحتفظ بصاروخ “كاتيوشا” في منطقة مرج الحمام عام 2023، في إشارة إلى ارتباط هذه القضية بسلسلة من الأنشطة التخريبية التي بدأت منذ العام 2021.

ردود فعل لبنانية

في ضوء الكشف عن أبعاد لبنانية للمخطط، أجرى كبار المسؤولين اللبنانيين اتصالات رسمية بنظرائهم الأردنيين، فتواصل رئيس الجمهورية جوزاف عون بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وأعرب عن استعداده الكامل للتعاون الأمني والقضائي وتبادل المعلومات.
كما أكد رئيس الحكومة نواف سلام، في اتصال بنظيره الأردني جعفر حسان، أن لبنان يرفض أن يكون منصة لأي عمل يهدد أمن أي دولة شقيقة، مشيراً إلى استعداد بلاده لتقديم أي دعم يلزم للكشف عن الجهة التي أشرفت على تدريب عناصر الخلية على أراضيها.

تحوّلات استراتيجية مرتقبة في الأردن

في ضوء التحقيقات، أكدت مصادر رسمية أن الأردن يتجه نحو مراجعة شاملة لطريقة تعامله مع جماعة “الإخوان المسلمين” غير المرخصة، وربما نحو خطوات قانونية وأمنية أشد صرامة في الفترة المقبلة، لا سيما بعد ثبوت ارتباط الخلية بتنظيمات خارجية.
وصرّح وزير الدولة لشؤون الاعلام محمد المومني بأن هذه الخلايا كانت تهدف بصورة مباشرة إلى استهداف الأردن نفسه، وليس دولاً أخرى، وهو ما يعزز الفرضية بأن المخطط كان داخلياً بالكامل، وتم تنفيذه بدوافع أيديولوجية مدعومة من الخارج.

الأردن في مواجهة “عابرة للحدود”

القضية التي كشفتها المخابرات الأردنية لم تكن مجرد محاولة لصناعة أسلحة بدائية محلية، بل مخطط مؤسسي عابر للحدود يقف خلفه تنظيم محلي مدعوم بتدريب وتمويل خارجي، على الأرجح من لبنان أو إيران. ومع التطورات المتسارعة، يظل احتمال ضلوع “حزب الله” في خلفية هذا المشروع الإرهابي وارداً، بانتظار نتائج التنسيق الأمني والقضائي بين عمان وبيروت.
بينما تستعد السلطات الأردنية لمواجهة مرحلة جديدة من التحديات الأمنية، يتزايد الضغط على الحكومة اللبنانية لمحاسبة أي جهات على أراضيها تسهّل مثل هذه الأنشطة الارهابية، في وقت تبدو فيه المنطقة على صفيح ساخن لا يحتمل التساهل مع مخططات تخريبية موجهة ضد دول مستقرة مثل الأردن.

شارك المقال