أمام حشد جماهيري ضخم، وبدعوة من حزب “الكتائب”، وبمناسبة انطلاق “المقاومة اللبنانية”، ألقى رئيس الحزب، الشيخ سامي الجميل، خطاباً مكتملاً من حيث الصياغة، مستوفياً لأعلى متطلبات الخطاب الجماهيري، وكان من أكثر ما سمعته فعالية من “الشيخ” لحد اليوم… هذا من حيث الشكل. أما من حيث المضمون، فالخطاب الذي سمعته كان شيئاً آخر تماماً.
إنها الأسطوانة ذاتها: الفلسطينيون، ومن بعدهم السوريون، أرادوا السيطرة على لبنان، فهبّ اللبنانيون وقاتلوهم دفاعاً عن الأرض والشعب والسيادة… لكن الحضور قاطعه بالهتافات، والدبكة، والرقص الشعبي على أنغام أغنية “بالروح بالدم”!
في كل مرة يظهر خطباء الأحزاب التي خاضت الحرب الممتدة من 13 نيسان 1975 إلى اتفاق الطائف عام 1989، أجد نفسي عاجزاً عن تسميتها، لأننا لا نزال نختلف حتى على تسميتها.
المهم أن من دعا إلى هذا المهرجان لإحياء ذكرى انطلاقة “المقاومة اللبنانية” هو نفسه من وقف في مجلس النواب داعياً إلى “مؤتمر المصالحة والمصارحة وتنقية الذاكرة”… (انتبهوا لـ”تنقية الذاكرة”).
يا أخي، يا شيخ سامي، إن “المقاومة” التي تتحدث وتتحدثون عنها دائماً لم تكن يوماً دفاعاً عن لبنان، بل اقتصرت على الدفاع عن المناطق المسيحية – وليس كلها حتى. أي أن الدفاع عن لبنان لم يشمل يوماً كل مناطقه، لا الجنوب، ولا البقاع، ولا عكار. فهل حدود الوطن هي عين الرمانة، حيث انطلقت “المقاومة” صاحبة المناسبة؟ أو زحلة؟ أو صنين؟
يا شيخ سامي، هذا الخطاب، سواء صدر منك أو من غيرك، لا يعبّر إلا عن هشاشة في الطرح المتعلق بوحدة لبنان، لأن الشهداء الذين سقطوا في تلك الحرب، التي أحييتم ذكراها، إنما حاولوا حماية الوجود المسيحي في مناطق محددة، وليس دفاعاً عن لبنان كلّه!
العصر الحجري الحديث استمر نحو خمسة آلاف عام، من سنة 10,000 قبل الميلاد إلى 5000 قبل الميلاد، وتميّز بالتطورات التالية:
- اكتشاف الزراعة.
- الاستقرار وظهور المدن والدول ذات المدينة الواحدة، وبداية الأنظمة السياسية المعقدة.
- اختراع الفخار… ونحن منذ ذلك الحين، لا نزال نعيش تحت نظام سياسي معقد (و”فخار يكسر بعضو”).
أقول هذا لأن جورج صليبي، وبعد أقل من أسبوع على خطاب الشيخ سامي، استضاف في برنامجه الأسبوعي عدة “قامات سياسية” من مختلف الاتجاهات لمناقشة أسباب حرب السنوات الخمس عشرة ونتائجها. وعرّج ممثل “القوات اللبنانية” في الحلقة على سلاح “حزب الله”، مؤكداً ضرورة نزعه كي لا تتكرر الحروب على أرضنا. واحتدم النقاش، ما دفع الدكتور قاسم قصير، ممثل وجهة نظر الحزب، إلى وضع الدكتوراه ومحتواها جانباً ليطلق مقولة تعكس عمق دراسته، قائلاً:
“سلاح حزب الله لن يُسلَّم حتى ظهور المهدي.”
فترك بذلك لكل اللبنانيين، ولكل محب لهذا البلد، أملاً واحداً لا غير: أن نُكثر من الدعاء ليلاً نهاراً:
“عجّل الله فَرَجَهُ” أي ظهوره.


