حين يحاور الرئيس… يسكت الرصاص

جو رحال

في لبنان، السلاح ليس مجرّد ملف أمني، بل مرآة لأزمة عميقة في الدولة والثقة والانتماء. منذ نهاية الحرب الأهلية، فشلت السلطة في بسط سيادتها الكاملة، وتعثرت في بناء عقد اجتماعي متين، يضمن احتكار العنف الشرعي في إطار القانون. وسط هذا الفراغ، نشأ “حزب الله” كمقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، وسرعان ما تحوّل إلى قوّة سياسية وعسكرية داخل الدولة وخارجها، حاملة مشروعاً يتجاوز حدود الوطن نحو محاور الإقليم.

في بيئة شعرت بالتهميش طويلاً، لم يكن السلاح تفصيلاً تقنياً، بل حاجة وجودية، ورمز للكرامة والقدرة على الحماية الذاتية. “حزب الله”، بفضل منظومة خدماتية شاملة، أصبح مرجعاً شبه متكامل لأبناء طائفته، ما جعله أكثر من تنظيم، وأقل من دولة.

ومع الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، ثم حرب تموز 2006، تكرّست “شرعية السلاح” في نظر أنصاره. لكن التورط في النزاع السوري، والتمدّد في المؤسسات، وتفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، كلها عوامل أعادت طرح السؤال المؤجل: هل ما زال السلاح ضرورة؟ أم بات عبئاً على الدولة، وعلى الحزب نفسه؟

ومع تصاعد التوترات الاقليمية، وآخرها الحرب على غزة وتداعياتها جنوباً، تكرّس مجدداً التفاهم الضمني بين مختلف الأطراف، ومن ضمنها “حزب الله”، حول ضرورة ضبط السلاح تحت سقف الدولة، وتجنّب الانفجار الكبير. لحظة دقيقة أظهرت أن هناك قابلية داخلية لدى الجميع، للمرة الأولى منذ سنوات، للبحث عن صيغة وطنية جديدة، لا تلغي أحداً ولا تعيد إنتاج الشلل.

في هذا التوقيت، يتقدّم الرئيس جوزاف عون بمقاربة هادئة وحكيمة. لا يستفز، لا يهدّد، بل يفتح باب الحوار مع “حزب الله”، ليس على قاعدة القوة أو العزل، بل من منطلق أن لا دولة في ظل ازدواج السلاح، ولا شراكة من دون وضوح.

الرئيس لا ينطلق من وهم فرض الحلول، بل من إيمان بأن من يحمل السلاح لا يتركه إلا عندما يشعر أن الدولة قادرة على حمايته. ولهذا، فالحوار ليس مناورة، بل خطوة أولى في مسار طويل نحو بناء الثقة، وصوغ عقد اجتماعي جديد، يعيد الاعتبار الى المؤسسات، ويؤسس لدولة يحميها القانون لا القلق.

تحويل “حزب الله” إلى قوة سياسية مدنية ليس انتقاصاً من تاريخه، بل امتداد لشرعيته في مشروع وطني شامل. وهذا لن يتحقق إلا بإصلاح النظام الطائفي الذي ينتج التوجس والحاجة إلى السلاح، ويكافئ الولاءات لا الكفاءات.

لبنان اليوم ليس بحاجة إلى شعارات جديدة، بل إلى عقل جديد، يدرك أن الأمن لا يأتي من فائض القوة، بل من فائض العدالة. والسؤال لم يعد: “متى يُنزع السلاح؟”، بل: “متى نبني دولة لا يعود السلاح فيها حاجة لأحد؟”.

في عهد جوزاف عون، قد تكون الفرصة الأخيرة لتثبيت هذا التحوّل. إن صمت الرصاص لا يحتاج إلى قرار، بل إلى ثقة. والثقة، لا تُفرض. تُبنى.

شارك المقال