“من هون بترجع الدولة”

جو رحال

“هالبلد ما بيقوم إلا بمؤسساتو… ومن البلديات بيبلّش النهوض”.

هذا الأحد، تنطلق العملية الانتخابية البلدية والاختيارية من محافظة جبل لبنان، فاتحةً مساراً ديموقراطياً طال انتظاره، وتمتد المراحل تباعاً حتى الخامس والعشرين من أيار، موعد ختام الاستحقاق في محافظتي الجنوب والنبطية. بين البداية والنهاية، يُكتب فصلٌ جديد في معركة استعادة الدولة، من أصغر وحدة إدارية إلى قمة الهرم الوطني.

في لحظة مصيرية من تاريخ لبنان، حيث تتشابك الأزمات وتتزاحم التحديات، تنبثق الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الدولة من جذورها وفق رؤية جديدة تعيد الاعتبار الى المؤسسات والدستور. ومع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بدأت معالم مشروع وطني متكامل للنهوض تتبلور، عنوانه الأبرز استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها، وإعادة تثبيت شرعيتها من القاعدة إلى القمة. وفي هذا الاطار، تكتسب البلديات دوراً محورياً يتجاوز البعد الخدماتي التقليدي ليغدو جزءاً لا يتجزأ من مشروع بناء الدولة الحديثة، دولة القانون والمشاركة.

الانتخابات البلدية التي تتزامن مع هذا المسار الإصلاحي لا تُمثّل مجرد استحقاق محلي، بل محطة مركزية في مسار استعادة الدولة. فهي امتحان حقيقي لإرادة الإصلاح الوطني، وقدرة المؤسسات على تجديد ذاتها عبر صناديق الاقتراع. في بلد طالما عاش على تعطيل الاستحقاقات وتغليب التسويات فوق الدستور، تأتي هذه الانتخابات كرسالة حاسمة بأن العهد الحالي مصمم على ترسيخ ثقافة الانتظام الديموقراطي كقاعدة ثابتة لا استثناء ظرفياً.

البلديات لم تعد مجرد أطر لتقديم الخدمات، بل باتت مساحات حقيقية لبناء ثقافة مدنية جديدة. عبر انتخاب مجالس بلدية نظيفة الكف، بعيدة عن المحاصصة والزبائنية، يرسخ لبنان مفاهيم المشاركة والمساءلة ويعيد ترسيخ الإنماء المتوازن كحق مكتسب لا كمنّة من أحد. عبر البلديات يولد التغيير، ويستعاد الرابط بين المواطن والدولة، ويُعاد إحياء شعور الانتماء الوطني على أسس حديثة لا طائفية ولا فئوية.

الاستحقاق البلدي يشكل فرصة لاختبار مدى قدرة اللبنانيين على تحرير العمل العام من وطأة الانقسام السياسي. في كل صندوق اقتراع اليوم، ينبض قلب الجمهورية، وفي كل ورقة انتخابية صادقة يُرسم جزء من خريطة الخلاص. البلديات المقبلة ستكون خط الدفاع الأول عن المجتمع، وهي التي ستحمل عبء التنمية المحلية، مواجهة الفقر، خلق فرص العمل، والحد من النزوح والهجرة، عبر مشاريع تنموية ترتكز على مبادرات أهلية وشراكات حقيقية مع المجتمع المدني.

التحديات أمام البلديات المقبلة هائلة. شح الموارد المالية، الحاجة الى إعادة إعمار البنى التحتية، إدارة الأزمات البيئية والصحية والاجتماعية، تتطلب إدارات محلية قادرة على الابتكار في زمن الشح، وعلى إدارة العمل البلدي بعقلية رشيدة بعيدة عن الحسابات الضيقة. فهذه الانتخابات تفتح الباب أمام دينامية جديدة قائمة على الكفاءة والمساءلة، لا على الولاءات التقليدية.

الرؤية التي يقودها الرئيس جوزاف عون تنطلق من قناعة راسخة بأن بناء الدولة لا يكون من فوق عبر مؤسسات الحكم المركزي فقط، بل يبدأ أيضاً من تحت، من القرى والبلدات والمدن، عبر مؤسسات محلية شرعية قوية، مرتبطة بالناس وقادرة على خدمتهم بفاعلية. من هنا، تندرج البلديات في قلب مشروع النهوض الوطني، جزءاً حيوياً من شبكة مؤسسات متكاملة تعيد رسم صورة لبنان، الدولة الجامعة لكل أبنائها، الدولة القوية بمواطنيها، الدولة الحديثة بمؤسساتها.

إجراء الانتخابات البلدية ليس حدثاً عادياً، بل خطوة مصيرية في معركة استعادة الدولة. فلبنان الذي يتطلع إلى الخلاص من أزماته الخانقة يحتاج إلى تجديد روحه من خلال مؤسساته الشرعية. والبلديات، باعتبارها الأقرب إلى الناس والأكثر التصاقاً بهمومهم، هي نقطة الانطلاق الطبيعية لهذه الورشة الوطنية الكبرى.

اليوم، ومن خلال هذه الانتخابات، يُعطى المواطن اللبناني فرصة حقيقية كي يشارك في كتابة مستقبل بلده، ويستعيد جزءاً من القرار الوطني الذي طالما تم التغاضي عنه لحسابات الكبار. إنها فرصة لأن ينتج الشارع البلدي قيادات محلية جديدة تعبّر عن نبض الناس، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة.

“من البلديات بيكبر الحلم، ومن صناديق الاقتراع بيولد لبنان الجديد… وما حدا بيقدر يوقف شعب قرر يبني دولتو بإيديه”.

شارك المقال