عدالة مؤجّلة؟

جو رحال

بتاريخ 10 نيسان 2025، وقع رئيس الجمهورية جوزاف عون وثيقة إبرام الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري الملحق بها، وذلك بعد أكثر من ١٩ عاماً من التهميش والمماطلة. هذه الخطوة تُعدّ مفصلية في مسار العدالة الاجتماعية، إذ تؤكد التزام الدولة العلني بتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وحمايتها، كما تشكّل ترجمة فعلية لما ورد في البيان الوزاري بشأن مراجعة السياسات والتشريعات الوطنية انسجاماً مع المعايير الدولية.

غير أن هذا الالتزام الرسمي يسلّط الضوء على التباين القائم بين مبادئ الاتفاقية الدولية من جهة، وواقع قانون 220/2000 من جهة أخرى. فعلى الرغم مما مثّله هذا القانون عند صدوره من تقدّم تشريعي، إلا أنه بقي أسيراً لمقاربة رعائية تقليدية، تعتبر الإعاقة حالة فردية بحاجة إلى علاج أو رعاية، لا نتيجة لعوائق مجتمعية وبنيوية يجب معالجتها.

في المقابل، تتبنّى الاتفاقية الدولية نظرة حديثة تقوم على حقوق الإنسان، وتُلزم الدول بتأمين المساواة التامة، وضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع جوانب الحياة. وبين هاتين الرؤيتين، تبرز الفجوة العميقة في الفلسفة، والمضمون، والأدوات.

القانون اللبناني الحالي يفتقر إلى الصيغة الإلزامية. فمعظم مواده عام وغير قابل للتطبيق الفعلي، ولا يحدد التزامات واضحة على المؤسسات الرسمية أو الخاصة، كما لا يفرض عقوبات على من ينتهك الحقوق. ويفتقر إلى جهة رقابية مستقلة، قادرة على المتابعة والمحاسبة، فيما تبقى الهيئة الوطنية المعنية محصورة في الدور الاستشاري الضعيف.

يُضاف إلى ذلك غياب مبدأ المشاركة الفعلية للأشخاص ذوي الإعاقة في صياغة السياسات التي تعنيهم، وهو مبدأ أساسي نصّت عليه الاتفاقية الدولية من خلال شعار “لا شيء عنا من دوننا”. كما يُهمل القانون فئات شديدة الهشاشة داخل هذه الشريحة، مثل النساء، والأطفال، وكبار السن، من دون أي حماية قانونية خاصة من العنف، أو التمييز المضاعف، أو الإقصاء المجتمعي.

أما على مستوى الخدمات، فلا تزال مقاربة التعليم قائمة على الفصل بدل الدمج، والمدارس بمعظمها غير مؤهلة، ولا سياسات واضحة للدعم التربوي أو النفسي. في سوق العمل، يغيب التطبيق الفعلي لمبدأ التوظيف العادل، وتغيب الحوافز والمساءلة، فيما تبقى الحماية الاجتماعية ناقصة ولا تؤمّن الحد الأدنى من متطلبات العيش المستقل.

الأزمة تتسع في ظل التحوّل الرقمي السريع، إذ لا يشير القانون إطلاقاً إلى حقوق الوصول إلى التكنولوجيا أو المعلومات، ولا يُعترف بلغة الإشارة ولا بوسائل التواصل البديل في الإدارات العامة، والمحاكم، والمؤسسات الطبية. كذلك، لا يُكرّس الحق في العيش المستقل، أو حرية اتخاذ القرارات المصيرية، أو الحق في اختيار مكان السكن أو شكل الحياة.

في ظل هذه التحديات، تتصاعد الدعوات لوضع إطار قانوني جديد، لا يكتفي بتجميل النص القائم، بل ينطلق من فلسفة حقوقية واضحة، يُكتب بمشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، ويؤسّس لمجلس وطني مستقل بصلاحيات رقابية وتنفيذية فعلية. كما يجب أن يرتبط هذا القانون بخطة تمويل وطنية تضمن تأهيل البنية التحتية، وتدريب الكوادر، وتوفير التسهيلات التكييفية في كل القطاعات.

لبنان اليوم أمام لحظة سياسية وتشريعية مفصلية، تشبه ما شهدته دول عربية مجاورة، كتونس والمغرب، اللتين قامتا بتحديث قوانينهما على أساس الاتفاقية الدولية. والفرصة متاحة للبنان كي لا يتأخر أكثر، بل يتحوّل إلى نموذج تقدّمي يحترم التنوع البشري، ويكرّس المساواة والكرامة للجميع.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً:

هل يكفي تعديل القانون 220 لمعالجة هذا التراكم من الثغرات؟ أم أن لبنان بات بحاجة إلى قانون جديد، يعكس روح الاتفاقية الدولية، ويضع الأشخاص ذوي الإعاقة في صلب معادلة التشريع والعدالة؟

السؤال لم يعد قانونياً فقط… بل هو مرآة لمدى صدق الدولة في بناء مجتمع عادل لا يترك أحداً.

شارك المقال