تراجع النفوذ الاقتصادي الايراني في العراق

حسناء بو حرفوش

يشهد النفوذ الاقتصادي الايراني في العراق حسب قراءة بموقع “منتدى الشرق الأوسط”، تراجعاً تدريجياً في ظل التحولات الاقليمية والضغوط المالية المتزايدة. ويطرح ذلك الكثير من التساؤلات حول أبعاد التغلغل الايراني في الاقتصاد العراقي خلال العقدين الماضيين والتحديات المترتبة عليه، مع تسليط الضوء على الدور المحتمل للولايات المتحدة وحلفائها.

ووفقاً للقراءة، “على الرغم من معاناة إيران من أزمات حادة في قطاعي الكهرباء والغاز الطبيعي داخلياً، وصعوبات جمّة في تحصيل مستحقاتها المالية بسبب العقوبات الأميركية، تواصل تصدير الطاقة إلى العراق. ويعكس هذا التناقض حساباً استراتيجياً بعيد المدى لطهران، يهدف إلى ترسيخ نفوذها داخل الاقتصاد العراقي ونظامه السياسي.

ومنذ العام 2003، بعد سقوط نظام صدام حسين، توسعت إيران في تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في العراق، مستخدمةً صادرات الطاقة كركيزة رئيسية. وارتفعت صادراتها غير النفطية من 145 مليون دولار في العام 2005 إلى نحو 11.9 مليار دولار في العام 2024، ما يمثل 20% من إجمالي صادراتها غير النفطية، من دون احتساب نحو 3 مليارات دولار من صادرات الكهرباء والغاز للعراق في العام ذاته.

وحسب بيانات الجمارك الايرانية وتحليلات منتدى الشرق الأوسط، تجاوزت صادرات إيران إلى العراق خلال العقدين الماضيين 100 مليار دولار، على الرغم من الانتقادات المستمرة من الشارع العراقي بشأن تدني جودة البضائع الايرانية. كما بلغت قيمة الخدمات الهندسية المقدمة للعراق 4 مليارات دولار خلال السنوات الست الماضية، ما جعل العراق الوجهة الأولى لهذه الصادرات.

وشرعت إيران في تصدير الكهرباء إلى العراق عام 2005، محققةً إيرادات تقارب 10 مليارات دولار خلال عقدين، فيما بدأت صادرات الغاز الطبيعي عام 2017 وبلغت أكثر من 60 مليار متر مكعب خلال سبع سنوات، بقيمة تقارب 18 مليار دولار. وبهذا، تقترب قيمة الصادرات الايرانية إلى العراق من 130 مليار دولار خلال عشرين عاماً، وهو ما يعادل نصف الناتج المحلي الاجمالي العراقي، وثلث نظيره الايراني لعام 2024.

في المقابل، تبقى واردات إيران من العراق هامشية للغاية، بحيث لم تتجاوز عشرات الملايين من الدولارات سنوياً حتى العام 2018، ولم ترتفع إلا مؤخراً إلى حدود 500 مليون دولار، وهو رقم لا يُقارن بالصادرات الإيرانية إلى العراق. وقد أسفر هذا الخلل التجاري عن اعتماد العراق بصورة كبيرة على السلع والطاقة والخدمات الايرانية، ما منح طهران نفوذاً سياسياً ملموساً في بغداد، ومكّنها من تمويل فصائلها الوكيلة واستغلال الشبكات المالية العراقية لتهريب العملات وبيع النفط الايراني سرّاً تحت غطاء عراقي.

منذ تموز 2023، فرضت وزارة الخزانة الأميركية قيوداً على 22 مصرفاً عراقياً خاصاً، ومنعت تعاملاتها بالدولار الأميركي، وامتدت التحقيقات في شباط 2025 إلى خمسة مصارف إضافية. وبذلك، أصبح نحو ثلث القطاع المصرفي الخاص في العراق خارج نطاق النظام المالي الأميركي، ما حدّ من قدرة إيران على الوصول إلى العملات الصعبة عبر العراق.

وتراجعت مكانة إيران الاقليمية منذ منتصف العام 2024، مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ما كشف نفوذها في العراق وزاد وضعها هشاشة. وفّرت هذه التحولات لبغداد مساحة جديدة لتعزيز استقلالها، خصوصاً مع ضغوط حملة الضغط الأقصى التي انتهجتها إدارة ترامب، والتي دفعت العراق نحو تنويع شراكاته والحد من الاعتماد على إيران. وعلى الرغم من أن واردات العراق من الكهرباء الايرانية لا تتجاوز 3% من احتياجاته، يعتمد ثلث إنتاجه من الطاقة الكهربائية على الغاز الايراني، ما يجعله عرضة لأزمات خطيرة إذا أوقفت الولايات المتحدة استثناءاتها لاستيراد الطاقة من إيران.

وفي آذار 2025، سمحت واشنطن مؤقتاً باستمرار استثناء العراق من استيراد الغاز الايراني، لكنها أوقفت استثناء الكهرباء. وتعهدت بغداد بإنهاء اعتمادها على الغاز الايراني بحلول العام 2028، إلا أن البدائل لا تزال بعيدة التنفيذ، وقد يؤدي هذا إلى اضطرابات في شبكة الكهرباء وصناعة الطاقة، وربما اندلاع احتجاجات شعبية في الصيف.

وعلى الرغم من تراكم ديون العراق لإيران، والتي قاربت 8 مليارات دولار منذ 2018، تصر طهران على الاستمرار في التصدير، انطلاقاً من منطق استراتيجي أكثر منه اقتصادي. ومع ذلك، فإن هذا النفوذ بدأ في التآكل. فوفقاً لصندوق النقد الدولي، من المتوقع أن تنخفض صادرات إيران في العام 2025 بمقدار 11 مليار دولار، نتيجة تجدد الضغوط الأميركية وتراجع أسعار النفط.

وفي ظل قيود الخزانة الأميركية على المصارف العراقية، تراجعت قدرة إيران على استرجاع أموالها، ما ساهم في فقدان العملة الايرانية نحو 50% من قيمتها خلال العام 2024. ويتوقع صندوق النقد انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الايراني إلى 341 مليار دولار في 2025، وهو أدنى مستوى له منذ 18 عاماً.

وعليه، فإن النفوذ الاقتصادي الايراني في العراق لا يزال قوياً، لكنه بات هشاً ومعرضاً للتآكل. فاستمرار القيود الأميركية، وتنامي الرفض الشعبي العراقي للتدخل الايراني، وتوجه بغداد نحو تنويع مصادر الطاقة وتحديث النظام المصرفي، جميعها تهديدات جدية لهذا النفوذ. وإذا نجح العراق في استبدال الغاز الايراني بالإنتاج المحلي أو بالإمدادات وتحسين التزامه بالمعايير المالية الدولية، فقد تخسر إيران واحدة من آخر أدواتها الجيوسياسية والمالية الفاعلة في المنطقة”.

شارك المقال