السعودية تمهّد لقمة سورية – أميركية: تحركات وسط ضغوط العقوبات

ماهر الحمدان

تقود المملكة العربية السعودية مبادرة ديبلوماسية غير مسبوقة لعقد قمة مباشرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، في سياق جولة ترامب المرتقبة إلى الخليج منتصف الأسبوع المقبل، في محاولة واضحة لإعادة الجمهورية العربية السورية إلى الحظيرة العربية، وكسر الجمود السياسي بين دمشق وواشنطن.

وبحسب مصادر ديبلوماسية مطلعة في الرياض لموقع “لبنان الكبير”، فإن الاتصالات التي تُجرى على مستويات رفيعة تشمل فريق البيت الأبيض، ومستشارين مقربين من ترامب، ووسطاء من الخليج وأوروبا، تهدف إلى تهيئة الظروف السياسية لعقد هذا اللقاء، الذي قد يشكّل نقطة تحول في مسار العلاقات الاقليمية، ويعيد ترتيب أولويات الملفات العالقة في الشرق الأوسط.

يلعب المستشار السابق في البيت الأبيض، جاريد كوشنر، دوراً مركزياً في هذه الجهود، إلى جانب المبعوث الخاص ستيفن وتيكوف، الذي كثف من جولاته الأخيرة في الخليج تمهيداً لترتيب جدول أعمال القمة. وتشير المعطيات إلى أن الجانبين السعودي والأميركي يعملان على بلورة صيغة متوازنة تسمح بانعقاد القمة من دون الاصطدام المباشر بالعقوبات المفروضة على سوريا، والتي لا تزال سارية بموجب “قانون قيصر” وتشريعات أخرى تتعلق بالأمن القومي الأميركي.

الشرع يفتح الباب

وأبدى الرئيس الشرع، الذي تسلم السلطة عقب انهيار نظام الأسد في كانون الأول 2024، انفتاحاً واضحاً على المبادرة. ووفقاً لمصادر حكومية سورية تحدّثت لموقع “لبنان الكبير”، فإن الشرع ينوي تلبية الدعوة الرسمية في حال تم توجيهها، ويرى في اللقاء المرتقب مع ترامب “فرصة سياسية واقتصادية لإنقاذ سوريا وإخراجها من عنق الزجاجة بعد سنوات من الحرب المدمرة التي خلفها نظام الأسد.”

لقاء استثماري في دمشق

وكان الشرع استقبل مطلع أيار وفداً أميركياً غير رسمي برئاسة رجل الأعمال الجمهوري جوناثان باس، الرئيس التنفيذي لشركة “أرجنت إل إن جي” الأميركية المتخصصة في الغاز الطبيعي. اللقاء جرى بترتيب من منظمة الطوارئ السورية، وهدف إلى استكشاف آفاق التعاون في مجال الطاقة، بما يشمل تطوير الحقول الغازية السورية بالشراكة مع شركات غربية.

ووفقاً لتصريحات باس، فإن المشروع المطروح يتضمن إنشاء كونسورتيوم جديد بين شركة وطنية سورية وأخرى أميركية، بشرط توفير ضمانات سياسية وأمنية تسمح بتخفيف بعض القيود المفروضة على التحويلات والاستثمار. ووصف باس استقبال الرئيس الشرع بـ”الايجابي والبنّاء”، مؤكداً أن هناك “فرصة حقيقية لإطلاق مشاريع استراتيجية إذا تم تجاوز الحواجز القانونية الأميركية”.

عقلية ترامب اقتصادية

وفي تصريح لموقع “لبنان الكبير”، قال أمين سر “التحالف السوري الوطني”، آرام الدوماني، إن هناك “رغبة واضحة داخل محيط إدارة الرئيس ترامب بتخفيف قيود العقوبات على سوريا”، معتبراً أن “عقلية الرئيس ترامب مبنية على أولوية المصالح التجارية والاقتصادية، ومحيطه بدوره يقوم على التجاذبات الاستثمارية.”

وأضاف الدوماني أن “رجال الأعمال الأميركان يرون في سوريا أرضاً خصبة للاستثمار، خصوصاً في البنية التحتية والطاقة، لكن عوائق الأمن القومي الأميركي تحول دون تفعيل هذه الرغبة”. وأوضح أن هؤلاء المستثمرين “يدفعون بقوة باتجاه عقد لقاء مباشر بين الرئيس ترامب والرئيس الشرع خلال الجولة الخليجية، بما يسمح للجانب السوري بتقديم ضمانات واضحة تسهم في رفع تدريجي للعقوبات وتفتح المجال أمام الشركات الأميركية للبدء الفوري بأعمالها.”

في هذا السياق، أشارت مصادر سورية لموقع “لبنان الكبير”، إلى أن الشرع على استعداد لتقديم حزمة من الالتزامات تُمكن من فتح نافذة سياسية واقتصادية أمام واشنطن، تشمل استمرار التعاون في ملف الأسلحة الكيميائية، وتشديد الرقابة على التنظيمات الارهابية، وتقييد حركة الفصائل الفلسطينية المسلحة، بالاضافة إلى منع تولي المقاتلين الأجانب مناصب تنفيذية في الدولة.

الرياض توازن بين السياسة والأعمال

الى ذلك، ترى السعودية في هذا التقارب فرصة لترسيخ موقعها كوسيط إقليمي مؤثر، خصوصاً في ظل التنافس المتزايد مع إيران وتركيا على النفوذ في الساحة السورية. تحاول المملكة عبر هذه القمة ربط مشروع إعادة الاعمار في سوريا بمنظومتها الخليجية الجديدة، بما يتقاطع مع رؤية “نيوم” والاستثمارات العابرة للحدود.

على الرغم من تعقيدات المشهد، وتصلّب بعض المؤسسات الأميركية تجاه دمشق، إلا أن التحركات الحالية تشير إلى مرحلة جديدة قد تتبلور في الخليج خلال أيام. فإذا انعقدت القمة، ستكون أول لقاء مباشر بين رئيسين أميركي وسوري منذ أكثر من عقدين، ما يفتح الباب أمام تحولات كبرى في العلاقات الشرق أوسطية، تُمليها ضرورات الجغرافيا… ومصالح الاقتصاد.

شارك المقال