شكّل انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية في 9 كانون الثاني 2025 نقطة تحوّل في المشهد السياسي اللبناني، ليس لأنه أنهى شغوراً رئاسياً دام أكثر من عام وحسب، بل لأنه فتح الباب أمام إعادة ترميم العلاقات الخارجية للبنان، ولا سيّما مع دول الخليج العربي التي طالها التوتر والقطيعة لسنوات.
منذ اللحظة الأولى لتسلّمه مهامه، أظهر الرئيس عون أن العودة إلى الحضن العربي تمثل أولوية استراتيجية. ففي 3 آذار 2025، زار السعودية والتقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في أول زيارة رسمية خارجية له. ثم توجّه إلى قطر في 16 نيسان، حيث التقى الأمير تميم بن حمد آل ثاني، وتوصّلا إلى تفاهمات مبدئية لدعم قطاعات الطاقة، الصحة، والتعليم. لاحقاً، زار الامارات العربية المتحدة وأعاد تفعيل اتفاقيات اقتصادية وتربوية، قبل أن يختتم جولته الخليجية بزيارة رسمية إلى الكويت، التي أعادت تأكيد التزامها التاريخي بدعم لبنان واستقراره.
المواقف الخليجية جاءت مرحّبة بتحرك الرئيس الجديد، لكنها مشروطة بوضوح: احترام السيادة، تثبيت مرجعية الدولة، وضمان عدم تدخل أي طرف لبناني في الشؤون الداخلية للدول العربية. وفي المقابل، اعتمد عون خطاباً سيادياً متزناً، يهدف إلى استعادة ثقة الخارج من دون الانزلاق إلى محاور أو صدامات داخلية.
التحركات لم تبقَ في الإطار الديبلوماسي، بل بدأت نتائجها تظهر على الأرض. ففي أيار 2025، أعلنت الإمارات رسمياً رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، وسُجّلت أولى الرحلات إلى مطار رفيق الحريري الدولي. كما كشفت تقارير صحافية عن توجّه سعودي لرفع الحظر تزامناً مع عيد الأضحى، في خطوةٍ طال انتظارها. وتشير التقديرات إلى انتعاش واضح في حجوزات الفنادق وقطاع الخدمات، مع استعداد بيروت والمناطق السياحية لاستقبال الزوار الخليجيين، ما سيعطي دفعة اقتصادية وسياحية مطلوبة بشدة.
على الصعيد الاقتصادي، يُتوقع أن يُترجم هذا الانفتاح الخليجي عبر دعم مباشر لبعض القطاعات الحيوية، وتحفيز عودة الاستثمارات الخليجية إلى ميادين استراتيجية مثل الطاقة، المصارف والعقار، ما يفتح الباب أمام بداية تعافٍ تدريجي.
أما داخلياً، فقد تبنّى الرئيس عون نهج التوازن الدقيق. فهو لم يدخل في مواجهة مباشرة مع القوى السياسية المؤثرة، خصوصاً “حزب الله”، لكنه في المقابل شدّد على وجوب تثبيت القرار بيد الدولة، وحصر السلاح ضمن الشرعية، وتحييد لبنان عن صراعات الإقليم. هذا ما عُرف لاحقاً بسياسة “الحياد الذكي” التي جمعت بين الواقعية والانفتاح من دون تنازل عن السيادة.
لم تكن زيارات عون مجرد جولات بروتوكولية، بل حملت رمزية عالية أعادت للبنان الرسمي حضوره في العواصم العربية، وأكدت أن الشراكة مع الخليج لا تزال ممكنة، إذا ما اقترنت برؤية مسؤولة.
اليوم، نجح الرئيس جوزاف عون في إعادة لبنان إلى طاولة الحوار العربي، ليس كشريك مأزوم، بل كدولة تستعيد موقعها. لكن الرهان المقبل يبقى في القدرة على تحويل هذا الزخم السياسي إلى مسار إصلاحي داخلي فعلي، يعزز مناعة الدولة، ويمنح ثقة الداخل كما الخارج.


