تحوّل إقليمي من الرياض: سوريا تخرج من العزلة بضغط سعودي

ماهر الحمدان

في لحظة تاريخية للسوريين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارته الخارجية الأولى والحالية التي بدأها من المملكة العربية السعودية، رفع العقوبات الأميركية عن سوريا. القرار، الذي وصفته مصادر مطلعة بأنه ثمرة تنسيق سياسي إقليمي غير مسبوق، جاء بعد “طلب من سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان”، على حد تعبير ترامب نفسه.

قال الرئيس الأميركي في مؤتمر صحافي خلال مؤتمر الاستثمار السعودي الأميركي: “قررت رفع العقوبات عن سوريا بعد مناقشة هذا الأمر مع ولي العهد السعودي. سنرفع العقوبات عن سوريا لنمنحهم فرصة جديدة. وزير خارجيتي سيلتقي نظيره السوري بعد مناقشتي الوضع السوري مع الأمير محمد بن سلمان”.

وتابع في رسالة وجّهها مباشرة الى السوريين: “أرونا منكم شيئاً خاصاً من أجل مستقبلكم”. اللقطات التي بثتها وسائل الاعلام من العاصمة السعودية أظهرت الأمير محمد بن سلمان مبتسماً وقد بدا عليه التأثر عقب إعلان القرار، في مشهد قرأه البعض كلحظة تتويج لجهود ديبلوماسية معقّدة خاضتها المملكة بمشاركة الامارات وقطر، وبمباركة تركية.

القمة المنتظرة: تحول تاريخي في العلاقات الاقليمية

في قمة منتظرة تبلورت بفضل جهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبفضل ديبلوماسية إقليمية كبيرة ساعدت في إنجاحها، أفاد مصدر رسمي لموقع “لبنان الكبير” بأن الرئيس السوري أحمد الشرع من المتوقع أن يصل إلى المملكة العربية السعودية خلال الساعات القادمة للمشاركة في القمة الخليجية-الأميركية، التي ستجمع الرئيس ترامب مع قادة الدول الخليجية تحت رعاية ولي العهد السعودي، والتي تأتي في وقت مفصلي بالنسبة الى سوريا، ما يعكس تحولاً كبيراً في سياسة المنطقة تجاه دمشق بعد سنوات من العزلة.

وفي هذا السياق، رحب المصدر الرسمي بقرار الرئيس ترامب برفع العقوبات الأميركية عن سوريا، واصفاً إياه بالقرار التاريخي الذي يمثل نقطة مفصلية في تاريخ البلاد. وأشار إلى أن هذه الخطوة هي ثمرة لتنسيق سياسي إقليمي غير مسبوق، وخص بالذكر الجهود الكبيرة التي بذلها ولي العهد السعودي، والتي كانت حاسمة في دفع هذا التحول نحو إعادة سوريا إلى محيطها العربي.

من جانب آخر، اعتبر المصدر أن هذا القرار يحمل أبعاداً استراتيجية مهمة بالنسبة الى سوريا في ظل التحولات الاقليمية، مشيراً إلى أن تنفيذ القرار على أرض الواقع يتطلب سرعة وفاعلية في تطبيقه. ولفت إلى أن نجاح هذه الخطوة يتوقف على ترجمة المواقف السياسية إلى إجراءات ملموسة، بما يسهم في استقرار سوريا وعودتها إلى دورها الفاعل في المنطقة.

من العقوبات إلى الانفتاح: المسار القانوني المتشابك

العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا لا تندرج تحت نظام واحد، بل تتوزع ما بين أوامر تنفيذية صادرة عن رؤساء الولايات المتحدة، وتشريعات صادرة عن الكونغرس، على رأسها “قانون قيصر”. لفهم الفروق القانونية بين هذه الأدوات، أوضح الديبلوماسي السوري السابق بسام بربندي لموقع “لبنان الكبير” أن العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا تنقسم إلى نوعين رئيسيين: الأول هو العقوبات الرئاسية، وهي التي تصدر بقرارات تنفيذية من الرئيس الأميركي، ويبلغ عددها ثمانية أوامر تنفيذية رئيسية، صدرت بين عامي 2004 و2019. وتشكل هذه الأوامر الغالبية العظمى من العقوبات المفروضة على الاقتصاد السوري، ويمكن للرئيس الأميركي إلغاؤها أو تجميدها مباشرة، من دون الحاجة للرجوع إلى الكونغرس.

أما النوع الثاني، فهو العقوبات التشريعية، وهي تلك التي أقرها الكونغرس الأميركي بقوانين ملزمة مثل “قانون قيصر”، وهذه لا يمكن للرئيس أن يرفعها منفرداً. وأشار بربندي إلى أن رفع هذه العقوبات يتطلب من الادارة الأميركية أن تثبت أمام الكونغرس أن النظام السوري قد استوفى الشروط المحددة ضمن هذه القوانين، الأمر الذي يجعل إلغاءها أكثر تعقيداً.

وفي ما يتعلق بحالة “الطوارئ الوطنية” التي تُستخدم كأساس قانوني لفرض عدد من العقوبات، أكد بربندي أن هذه الحالة يتم تجديدها سنوياً من الرئيس. وفي حال لم تُجدد، فإن بعض العقوبات يمكن أن يُعلّق تلقائياً بعد ستة أشهر، ما يتيح تخفيفاً جزئياً للضغوط الاقتصادية، حتى وإن لم تُلغَ القوانين بصورة كاملة.

وأضاف بربندي أن الرئيس الأميركي المقبل، سواء كان ترامب أو غيره، يستطيع أن يتخذ عدة خطوات لتخفيف أثر العقوبات، منها إلغاء الأوامر التنفيذية التي فرضت العقوبات الاقتصادية، أو إصدار تراخيص استثنائية تسهّل التحويلات المالية أو عمليات الاستيراد، مع تعديل بعض البنود لضمان عدم شمول الأشخاص أو الشركات المتهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كما يمكنه أيضاً تعليق تطبيق العقوبات من خلال عدم تجديد “حالة الطوارئ الوطنية”.

لكن بربندي شدد على أن الرئيس لا يستطيع رفع العقوبات المرتبطة بـ”قانون قيصر” إلا إذا تحققت الشروط التي يطلبها الكونغرس، على الرغم من قدرته على تعديل بعض المواد المحددة ضمن القانون أو تعليقه.

لتوضيح هذه التفرعات، نعرض هنا جدولاً تفصيلياً بأبرز العقوبات المفروضة:

الأمر التنفيذي 13338

الرئيس جورج بوش

2004

حظر تصدير معظم السلع إلى سوريا، وتجميد أصول مسؤولين سوريين.

الأمر التنفيذي 13572

الرئيس باراك أوباما

أبريل (نيسان) 2011

استهداف مسؤولين سوريين متورطين في قمع المتظاهرين.

الأمر التنفيذي 13573

الرئيس باراك أوباما

مايو (أيار) 2011

إدراج الرئيس بشار الأسد ومسؤولين كبار ضمن العقوبات.

الأمر التنفيذي 13582

الرئيس باراك أوباما

أغسطس (آب) 2011

حظر شامل على الاستثمارات الأميركية وتجميد أصول الحكومة السورية.

الأمر التنفيذي 13606

الرئيس باراك أوباما

أبريل (نيسان) 2012

عقوبات متعلقة باستخدام التكنولوجيا لقمع المدنيين.

الأمر التنفيذي 13608

الرئيس باراك أوباما

مايو (أيار) 2012

استهداف الكيانات التي تخرق العقوبات الأميركية.

الأمر التنفيذي 13894

الرئيس دونالد ترامب

أكتوبر (تشرين الأول) 2019

عقوبات على من يزعزع استقرار سوريا، تشمل كيانات تركية وسورية.

قانون قيصر

الكونغرس الأميركي

ديسمبر (كانون الأول) 2019

عقوبات واسعة على النظام وداعميه من روسيا وإيران، تستهدف قطاعات الطاقة والبناء والمصارف.

تمديد قانون قيصر

الكونغرس الأميركي

ديسمبر (كانون الأول) 2024

تمديد العقوبات حتى 2029 من دون تعديل على الشروط.

الفرص والتحديات: الانتقال من العزلة إلى الانفتاح

بعد إعلان ترامب، وترافقاً مع ذلك الاعلان الرسمي، ظهرت إشارات قوية على أن سوريا قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة من الانفتاح على المجتمع الدولي. لكن هذه الفرصة، التي لا شك ستكون مهمة لتخفيف الضغوط الاقتصادية التي عانت منها البلاد على مدى السنوات الماضية، تحمل أيضاً تحديات كبيرة. فعلى الرغم من رفع بعض العقوبات، يبقى الخوف من تجدد العزلة بسبب القيود التشريعية المتبقية، وعلى رأسها “قانون قيصر”.

وفي هذا السياق، أوضح آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني، أن القرار الأميركي يمثل “خطوة أولى”، لكن هذا لا يعني بالضرورة نهاية العزلة أو رفع كامل للعقوبات. وحذر من أن “المعركة الآن تتعلق بضمان الإلغاء الكامل للعقوبات، ولا سيما الاجراءات المرتبطة بقانون قيصر، وهو أمر يتطلب تنسيقاً داخلياً وخارجياً قوياً”، مطالباً بتوحيد الجهود السورية لضمان عدم تأثير أطراف إقليمية ودولية على القرارات الأميركية المتعلقة بسوريا.

وأضاف: “ما يحتاجه السوريون في هذه اللحظة هو استراتيجية وطنية واضحة، جبهة موحدة، قادرة على إدارة هذه المرحلة الدقيقة عبر أدوات ديبلوماسية حديثة تدعم التغيير الفعلي في البلاد”. هذه الدعوة لوحدة الصف تأتي في وقت حساس للغاية، بحيث يمكن أن يتسبب أي تراجع في الموقف الوطني في تعقيد الوضع بصورة أكبر.

لا لتجربة العراق!

إن التحوّل في العلاقات بين الرياض ودمشق ليس مجرد خطوة نحو رفع العقوبات، بل هو بداية لإعادة تشكيل التحالفات الاقليمية بما يتماشى مع التحولات الكبرى في المنطقة. بعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة تتطلب دعماً دولياً وإقليمياً لإعادة بناء مؤسساتها وتحقيق الاستقرار. وعلى الرغم من التحديات القانونية والسياسية التي لا تزال تعوق عملية رفع العقوبات بالكامل، فإن هذه الفرصة تمثل نقطة مفصلية يمكن أن تُمهّد الطريق أمام سوريا والشعب السوري للخروج من العزلة الطويلة. ولكن، يجب أن نعي أن العرب لا يريدون تكرار أخطاء العراق، حيث كان التدخل الدولي والاقليمي مشوباً بالشكوك، ووقع الشعب العراقي ضحية لتداعياته على المدى الطويل. إن نجاح هذه المرحلة يتوقف على جديّة دمشق في إحداث التغيير المطلوب، بالاضافة إلى ضرورة التنسيق الاقليمي والمراقبة الدولية لضمان تحقيق نتائج ملموسة تعود بالنفع على الشعب السوري وتساعد في بناء مستقبل مستقر وآمن.

شارك المقال