لا شك في أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان يضطلع بدور في إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، بحسب ما يجزم المحلل توماس فريدمان في مقاله بموقع صحيفة “النيويورك تايمز” الأميركية. بالنسبة إلى فريدمان، “لقد بدأت إعادة ترتيب القطع على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية بالفعل، بعد تجميدها في مكانها لسنوات، أولاً بسبب العامل الأميركي (…) وثانياً بسبب ضغط الطبيعة الأم، الذي ترجم بموجات الحر والجفاف والضغوط الديموغرافية والتذبذب في أسعار النفط ناهيك بجائحة كورونا. ويمكن القول إننا نشهد انتقالاً للشرق الأوسط من الشكل الذي صاغته القوى العظمى إلى شكل جديد تفرضه الطبيعة الأم. وسيجبر هذا التحول كل القادة على التركيز على المرونة البيئية لاكتساب الشرعية عوضاً من اكتسابها من خلال الحشد بعنوان “مقاومة الأعداء القريبين والبعيدين”. ولسنا إلا في بداية هذا التحول النموذجي من المقاومة إلى المرونة، حيث تعاني المنطقة بالفعل من ارتفاع درجات الحرارة ومن الاكتظاظ السكاني والتعطش للمياه بدرجة لا تسمح بالحفاظ على أي نوعية حياة مستقبلية فيها”.
ويقترح المقال أن “واشنطن أرسلت علامات تحذير حول رفضها للتدخل والتحكيم في الشرق الأوسط منذ ابتعاد الرئيس الاميركي السابق باراك أوباما عن المنطقة ورفض دونالد ترامب من بعده الانتقام من إيران على الرغم من الاعتداء بالمسيّرات على منشأة نفطية سعودية رئيسية عام 2019. وهذا ما عبر عنه بايدن بشكل رسمي. وتشهد المنطقة تغيراً في العلاقات بين “المملكة العربية السعودية وإيران بوساطة العراق، بالتزامن مع الانسحاب الأميركي التدريجي (…) وأصبح الإيرانيون يدركون ضرورة الانفتاح على العالم مع استمرار تعرض بلادهم للعديد من العقوبات (…) لكن مع الأسف، قد يمنح الانسحاب الأميركي أيضاً بطاقة حل للرئيس السوري المنبوذ منذ فترة طويلة والمدعوم من إيران، بشار الأسد، الذي اتهم بارتكاب إبادة جماعية خلال قمعه للتمرد ضده (…) وفي المقابل، تحاول مصر والأردن إبعاد سوريا والعراق، وهما الركيزتان لنظام الدولة العربية، عن إيران الشيعية. كما تريد مصر تصدير غازها إلى لبنان، وتريد الأردن التي تعاني ضائقة مالية إعادة تأسيس تجارة عادت عليها بالأرباح في السابق (…) وخرجت العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وتركيا من حالة الجمود العميق باعتبارها ثقلاً سنياً موازناً لإيران.
ومع ذلك، ربما تعتقد إيران أن الولايات المتحدة تفتقر للقدرة على كبح مساعي طهران لتخصيب ما يكفي من اليورانيوم لتصبح دولة نووية، من خلال عمل عسكري. وفي هذا السياق، يلفت مارتن إنديك المبعوث الأميركي السابق للسلام إلى الشرق الأوسط في كتابه الجديد حول هنري كيسنجر وفن الديبلوماسية في الشرق الأوسط أن “الولايات المتحدة لا تنسحب بالكامل من المنطقة، لكنها تتراجع، فيما يسعى جميع شركائها العرب (…) لتحقيق الاستقرار في المنطقة، في عصر لن تعود فيه الولايات المتحدة مهيمنة. ومع ذلك، ستظل الولايات المتحدة بحاجة لردع إيران في حال طورت قدرة نووية، ونزع فتيل أي صراعات محتملة أخرى.”
من المقاومة إلى المرونة
لكن إعادة تشكيل المنطقة لن تنحصر بالميزان السياسي فقط (…) فمع انحسار الهيمنة الأميركية التي حلت أصلاً مكان الهيمنة السوفياتية، تظهر قوة مسيطرة جديدة تفرضها الطبيعة. ففي الشرق الأوسط الذي تساهم الطبيعة الأم بتشكيله، لا يرتبط الميزان بمقدار مقاومة القوى لبعضها البعض أو للقوى العظمى، وإنما بمقدار المرونة التي تؤمنها هذه القوى لشعوبها ودولها في زمن يقوم فيه العالم بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وفي وقت تتمتع فيه جميع الدول العربية الإسلامية بقفزة في عدد السكان تحت سنّ الثلاثين، عدا عن تزايد تأثيرات التغير المناخي. وهذا ما يظهر من خلال إفادة الأمم المتحدة مؤخراً حول تعرض أفغانستان لأسوأ موجة جفاف منذ أكثر من 30 عاماً. وقد أدت هذه الموجة لإحباط المزارعين، ورفع أسعار المواد الغذائية ومعاناة 18.8 مليون أفغاني، أي نحو نصف السكان، من حالة انعدام في الأمن الغذائي. يضاف إلى ذلك التغير مع صعود طالبان إلى السلطة عدا عن الضغوط الناجمة عن جائحة كورونا. أما إيران فشهدت الصيف الماضي أعمال شغب مميتة بسبب جفاف المياه جنوب غرب البلاد، مع توقعات أن يصبح المناخ أكثر سخونة وجفافاً. وفي المقلب الآخر، قد تخوض مصر وإثيوبيا حرباً بالفعل على خلفية سد المياه الذي أقامته إثيوبيا عند منبع النيل. ووقّعت (إسرائيل) للتو اتفاقية لمضاعفة كمية المياه العذبة التي توفرها للأردن، وهي واحدة من أكثر دول العالم جفافاً. وأثارت تصريحات رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، التي لا تستند لأي أساس، عاصفة نارية بعد زعمه أن خليفته، نفتالي بينيت، سقط في الفخ لأنه “عندما يعطي الماء للملك عبدالله يعطي هذا الأخير النفط لإيران”. أما اللافت في كلام نتنياهو فتأكيده للمرة الأولى على أهم ما في العصر أي الماء. وفي الواقع، ربما يأتي يوم ستحتاج فيه الولايات المتحدة للعودة إلى الديبلوماسية الإسرائيلية الفلسطينية النشطة، ليس على أساس الأرض مقابل السلام، ولكن على أساس الشمس والمياه العذبة من أجل السلام. وهذه هي أصلا الاستراتيجية التي تعرف بـ”الصفقة الخضراء الزرقاء” والتي قدمها ناشطون فلسطينيون وأردنيون وإسرائيليون، وتقضي بانتاج الأردن، بفضل مناطقه الصحراوية الشاسعة، لكميات كبيرة من الطاقة الشمسية الرخيصة لتلبية حاجاته ولبيع الطاقة للشبكات الإسرائيلية والفلسطينية “لتوليد الكهرباء لمحطات تحلية المياه التي توفر المياه العذبة بوفرة للأطراف الثلاثة (…) ومن شأن ديبلوماسية النظام الإيكولوجي أن تضمن طريقة مستدامة لإعادة الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط الجديد: على الرغم من أن جميع الأطراف في المنطقة مترابطون بيئياً، إلا أن اعتماداتهم المتبادلة ليست سليمة دائماً. تالياً، يمكن أميركا أن تمارس دور الوسيط الموثوق به والذي يصوغ العلاقات الصحية، ليس كبديل لاتفاق الأرض مقابل السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ولكن كتمهيد لبناء الثقة بين الأطراف”.


