شروط ترامب: لبنان “ريفييرا” مقابل التطبيع مع اسرائيل!

جورج حايك

إتّجهت أنظار اللبنانيين في اليومين الفائتين إلى العاصمة السعودية الرياض التي استضافت الرئيس الأميركي دونالد ترامب في زيارة تاريخية، وُقّعت فيها اتفاقيات اقتصادية وتجارية بين الدولتين، وحُدّد المسار الاستراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط، بحيث ما عُلِمَ عن هذه الزيارة بواسطة بعض المطلّعين أن السعودية ستكون الحليف الأبرز لواشنطن في هذا المسار بل إن دورها سيكون قيادياً في المستقبل القريب على صعيد كل الأزمات بدءاً من القضية الفلسطينية والصراع الاسرائيلي-الفلسطيني في غزة، مروراً بسوريا وصولاً إلى الحدّ من نفوذ إيران وأذرعها العسكرية في المنطقة وهذا ما سيكون لبنان في صلبه نتيجة سلاح “حزب الله” وهيمنته السابقة على القرار الرسمي اللبناني.

من الواضح أن ترامب مصمّم على إنهاء أزمات الشرق الأوسط وخصوصاً الأذرع العسكرية الايرانية، وهو يستبشر خيراً بالقيادة اللبنانية الجديدة المتمثّلة برئيسي الجمهورية والحكومة جوزاف عون ونواف سلام، وكالعادة لا “يلبس” ترامب “الكفوف” بل يسمّي الأمور بأسمائها، ولم يتردّد في الهجوم على “الحزب”، وهو يعتبر أنه كان وايران السبب في جرّ لبنان إلى حرب دمّرته وأدت إلى الدمار والدماء والبؤس.

لكن مصادر مطلعة واكبت الزيارة في السعودية تؤكد أن ترامب ومستشاريه يعتبرون أن الولايات المتحدة الأميركية فعلت كل ما يجب فعله لإنهاء الحرب ورعت اتفاقية بين لبنان وإسرائيل تتضمّن حصر سلاح “حزب الله” بيد الدولة اللبنانية، وبالتالي تنتظر إدارة ترامب من الحكومة اللبنانية أن تسحب سلاح “الحزب” من كل الأراضي اللبنانية وليس جنوب الليطاني فقط، ولن تنفع المطالب اللبنانية في حض ّاسرائيل على الانسحاب من النقاط الخمس في الجنوب، طالما أن “الحزب” لا يزال متمسكاً بسلاحه.

ويبدو أن السعوديين، وفق المصادر المطلعة، متفهّمون أكثر من الأميركيين لحساسيّة الوضع اللبناني، وقد اتفق الرئيس عون معهم على آلية جمع سلاح “الحزب” بطريقة سلسة ومن دون استفزازات ومواجهات قد تؤثّر على استقرار البلد، لذلك حصل نوع من الاتفاق بين السعودية والولايات المتحدة على منح عون الثقة لمعالجة هذا الملف الشائك في هدوء ومن دون تحريض وضغوط واستعراضات إعلامية، وستنفّذ الولايات المتحدة الجزء المترتّب عليها عبر تقوية الجيش ليكون الجهة الوحيدة المخوّلة السيطرة الأمنية والعسكرية على كامل الأراضي اللبنانية. وهذا يتقاطع مباشرة مع أحد أبرز أهداف السياسة الأميركية في لبنان وهي تحجيم “الحزب” عسكرياً من دون الاصطدام المباشر معه. وتعتبر المصادر أن واشنطن تريد لبنان مستقراً، ولكن بشروط واضحة تتصل بأن يكون هناك جيش موحّد يمسك زمام الأمور. وهذا يفترض قيام دولة تمسك بقرارها السياسي، وبالتالي إنهاء ازدواجية السلاح والسلطة وصولاً إلى العمل على خلق بيئة سياسية أكثر قرباً من المحور العربي – الأميركي، وهذا ما بدأ يتبلور من خلال زيارات عون إلى دول الخليج.

إذاً أمام الحكومة الجديدة فرصة تاريخية لم يشهدها لبنان منذ أكثر من أربعين عاماً، ألا وهي العودة إلى المجتمع الدولي، وإعادة التواصل مع الدول العربية الخليجية الرائدة واستقطاب رعاياها للإستثمار والاصطياف في لبنان، وتعزيز العلاقة مع أوروبا، إلا أن المصادر المطلعة على أجواء زيارة ترامب إلى السعودية، تعتبر كلام ترامب الذي قال فيه حرفياً: “أسمع أن الادارة الجديدة في لبنان محترفة وتريد الأفضل، نحن مستعدون لمساعدة لبنان على بناء مستقبل مع جيرانه، وعلى إقامة السلام معهم، وكان بوسعنا تفادي البؤس في لبنان”، هذا الكلام هو دعوة إلى لبنان للإنضمام إلى اتفاقيات إبراهام مع إسرائيل، أو البدء بعلاقات التطبيع مع اسرائيل والتي ستشمل أكثر من دولة عربية في المستقبل وأهمها السعودية. وترى المصادر أن إدارة ترامب مستعدة لدعم لبنان بالمال إلى آخر حدود وإعادة الإعمار سريعاً إذا استجاب لدعوة ترامب، بل سيجعل من لبنان “ريفييرا” الشرق الأوسط ليكون قبلة الأنظار السياحية وخصوصاً أن القطاع الفندقي والمطاعم مزدهر أصلاً على الرغم من كل النكبات التي حلّت بلبنان، وعندها سيكون مقصداً للسيّاح والمستثمرين فيحلو لهم العيش فيه بحياة رغيدة مع عوائد ربحيّة كبيرة.

كل شيء بسعره لدى ترامب ولا شيء مجانياً، وكل دولة يتعامل معها، سواء أكانت دول كبيرة أو صغيرة، يخضعها لمبدأ العرض والطلب أو ما يُشبه صفقات يفيد بها الولايات المتحدة، وفق مبدأ “أميركا أولاً”، وبالتالي لا شيء يرضي مصالح ترامب في لبنان إلا انضمامه إلى مشروعه القديم الجديد “الاتفاقيات الابراهيمية” وبالتالي السلام مع اسرائيل، ما يجعل منطقة الشرق الأوسط، بحسب رؤيته، واحة هادئة ومريحة لاستثمارات الولايات المتحدة، بل ينهي الصراعات ويحقق هدفه بعالم سلميّ في صفر أزمات.

من هنا، تسعى إدارة ترامب إلى المحافظة على وقف إطلاق النار وإنهاء حالة “الحزب” العسكرية لأنها تعرقل مشروعه، لذلك يتفق مع الدول الخليجية على منع الدعم المالي لإعادة الإعمار في لبنان حتى يستكمل تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار وتطبيق كامل للقرار 1701.

واللافت أن المساعدات المالية للبنان ستكون منسّقة بين واشنطن والرياض والدوحة وجهات مانحة أخرى لضمان أن يكون الامتثال لشروط وقف إطلاق النار والاصلاحات الاقتصادية شرطاً أساسياً لأي مساعدة في إعادة الإعمار.

سبق أن حصلت تسويات مثل اتفاق الدوحة وتُرك لبنان تحت النفوذ الايراني، لكن المصادر المطلعة ترى أن هذه المرحلة انتهت، لأن “الحزب” أضعف كثيراً، بسبب هزائمه العسكرية على يد إسرائيل، وقُطعت عنه طريق الإمدادات من سوريا. ومن جهة أخرى، أصبحت إيران ضعيفة، وهي في موقف دفاعي، ولديها مشكلات اقتصادية حادة، وأن هذه لحظة مناسبة لتستنهض الدولة اللبنانية نفسها، وتستفيد من الدعم الدولي، لتبسط سلطتها على كامل أراضيها وتسترد قرار السلم والحرب من “الحزب”. علماً أن الأميركيين والخليجيين يثقون بالرئيس عون، ومواقفه وأفعاله حتى الآن تشجعهم على المضي في مساعدة لبنان.

صحيح أن لبنان ليس متحمّساً للتطبيع مع اسرائيل والاستجابة لمشيئة ترامب، وربما سينتظر تطوّر الأمور مع الدول العربية على هذا الصعيد، وخصوصاً السعودية التي تربط بين التطبيع مع اسرائيل والتوصّل إلى حل مشرّف للقضية الفلسطينية وفق المبادرة العربية للسلام التي انعقدت في بيروت سنة 2002 برعاية سعودية، والتي نتج عنها “حلّ الدولتين”، وبالتالي لبنان سيحافظ على اتفاق وقف إطلاق النار مع اسرائيل وعدم التورّط بحرب جديدة معها، حتى تظهر الملامح الكاملة للشرق الأوسط الجديد الذي إنطلق فعلاً من الزيارة التاريخية لترامب إلى السعودية منذ يومين.

شارك المقال