السعودية العظمى: ريادة اقليمية سياسية… وذكاء اصطناعي!

جورج حايك

كرّست زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السعودية ريادتها على أكثر من صعيد، وخصوصاً أن ترامب يبحث عن شريك في الشرق الأوسط يُمكن أن يبني معه استراتيجيات اقتصادية وتجارية طويلة الأمد، تحقّق مصالح الولايات المتحدة أولاً.

لكن لا شك في أن ما فعله ترامب في السعودية في اليومين الفائتين، يحقّق ما تنشده القيادة السعودية أيضاً وتخطّط له وفق رؤية 2030، ولا سيما في ما يخص التكنولوجيا وتحديداً الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وربما ظنّ المراقبون أن زيارة ترامب إلى السعودية ستقتصر على اتفاقيات في عالم الأعمال والتجارة والإقتصاد، لكن الكلام الذي نطق به رئيس دولة كبرى مثل الولايات المتحدة عن السعودية وقائدها الملك سلمان وإبنه الأمير محمد بن سلمان والدور السياسي الhقليمي والدولي الذي تلعبه الآن وستستمر فيه بالمستقبل، يؤكّد أن السعودية أصبحت في مكان آخر، بدلالة تأثيرها على ترامب ودفعه إلى رفع العقوبات عن سوريا، ما أثار دهشة العالم!

صحيح أن ترامب رجل أعمال ويهوى إبرام الصفقات وجذب الأموال، وربما تتمتع السعودية بكل ما يرضي طموحاته، إلا أن الرجل رأى خلال زيارته ما فاجأه، وخصوصاً التطوّر الذي حققته السعودية منذ ثمانية أعوام وحتى اليوم، ما دفعه إلى الاعتراف بأن “هناك من حوّل الصحراء إلى مزارع، بينما حوّلت طهران مزارعها إلى صحارى”.

ولعل هذا القول الجريء لرئيس دولة كبيرة، يُعتبر اعترافاً مهماً وصادقاً بما حقّقته السعودية من نموّ سريع، فيما اهتمت إيران بالاستثمار في أذرعها العسكرية للتخريب في الشرق الأوسط، وهذه صورة واضحة للفرق بين الدولتين، يقدر أياً كان أن يميّزها لأنها تتعلق بالمنطق السليم.

ويرى ديبلوماسيّ عربي أن ترامب الذي يعرف مصلحة الولايات المتحدة جيداً، لم يهتم بإدراج اسرائيل حليفته التاريخية في روزنامة زيارته إلى الشرق الأوسط، وهذا ما بدا مفاجئاً للاسرائيليين وكل من يتعاطى التحليل السياسي، لكن الديبلوماسيّ يؤكّد أن هذا لا يعني أن ترامب استبدل حليفته اسرائيل بالسعودية، إلا أنه يعتبر هذه الدولة الخليجية محورية في استراتيجيته السياسية، بل يراها أهم من اسرائيل وحرب غزة في ترتيب أولوياته في الوقت الحاضر.

واللافت أن نهج ترامب في السياسة الخارجية ينطلق من رؤيته للإدارة الاقتصادية، والتي تتمثل في النظر إلى الدول الغنية في الخليج وصناديق ثرواتها السيادية الضخمة كمصادر للاستثمار في الولايات المتحدة، لكن الديبلوماسي العربي يلفت إلى أن السعودية تُدرك أن ترامب يتطلع إلى تحقيق مكاسب سريعة وصفقاتٍ بمليارات الدولارات في مجال النفط والتجارة في السعودية وقطر والامارات، إلا أنه يبقى في نظر السعودية رئيس دولة عظمى ورجل أعمال كبيراً، وبالنسبة إليه المال أقوى من أي شيء آخر، لذلك بحثت معه السعودية عن مقايضة، ولا بد من أن يكون إنهاء الحرب في غزة على رأس قائمة أولويات السعودية بعد رفع العقوبات عن سوريا – ما سيزعج رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يبحث عن مواصلة الحرب، إن لم يكن توسيعها.

وتشير المعلومات إلى أن السعودية، أعادت طرحها الشهير بضرورة العودة إلى مفاوضات حل الدولتين على مسامع ترامب. وأصرّت قيادتها على أنه لا يمكن أن يكون هناك “تطبيع” للعلاقات مع إسرائيل من دون تحرك ديبلوماسي واضح في هذا الاتجاه.

وشجّعت السعودية ترامب على مواصلة المفاوضات مع ايران، لأن من مصلحتها أن تفضي الأمور إلى اتفاق نووي مع طهران، وخصوصاً أنها تتوق إلى الاستقرار الاقليمي. ويؤكّد الديبلوماسي أن السعودية تعتبرها فرصة لإرساء بعض الهدوء الآن بعد أن تضررت الأذرع العسكرية الايرانية في المنطقة مثل “حزب الله” و”حماس” والحوثيين، إضافة إلى سقوط حليف طهران السوري بشار الأسد. كما اتّفق السعوديون وترامب على إنهاء الصراع في اليمن. ومن هنا جاء دعم القيادة السعودية لقرار ترامب بوقف قصف الحوثيين مقابل وعدهم بوقف استهداف الشحن الأميركي في البحر الأحمر.

تلتقي استراتيجية السعودية وترامب على شرق أوسط من دون أزمات وحروب، ولديهما أجندة ديبلوماسية أولويتها تعزيز فرص السلام في المنطقة ونقلها إلى مكان آخر، لتكون مزدحمة بالأعمال والتجارة والاقتصاد المزدهر، وستعمل كلا الدولتين لمنح الدول في الشرق الأوسط فرصة الصعود إلى قطار الإزدهار الاقتصادي.

في المقابل، قلّة من المراقبين تنبّهت الى ما تضمنته العقود والاتفاقيات بين السعودية والولايات المتحدة، وهي استثمارات ضخمة للسعودية في مجال الذكاء الاصطناعي، علماً أن لا قدرة لأحد سوى للسعودية ودول الخليج على الاستثمار بهذا القدر من المال في الموجة التالية من الذكاء الاصطناعي، وتعي المملكة أن سعر برميل النفط ليس مرتفعاً كما كان، وقد حان الوقت لكسب المال بطريقة أخرى.

وليس صدفة مرافقة ايلون ماسك مالك أكبر شركات الذكاء الاصطناعي Open AI لترامب، بحيث كان في مقدّمة الحضور في كثير من الاتفاقيات التي وقّعت هناك، بل أتت زيارة الرئيس الأميركي بالتزامن مع إعلان السعودية إنشاء صندوق الاستثمارات العامة عن شركة Humain، التي يصفها فريق العلاقات العامة التابع لمحمد بن سلمان بأنها “قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي”، والتي تبدو نسخة مُحسّنة من شركة “أرامكو” الرقمية.

وكما هو متوقع، تتعاملHumain ، بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، مع بعض الشركات الأميركية في هذا المجال مثل Nvidia وAMD وGroq، وربما شركات أخرى.

والفكرة تكمن في الاستثمار في منظومة الذكاء الاصطناعي والسعي الى جعل المملكة العربية السعودية مركزاً إقليمياً وعالمياً للذكاء الاصطناعي في القطاعات الاستراتيجية، بما في ذلك الطاقة والرعاية الصحية والتصنيع والخدمات المالية. وتعتبر شركة Humain واحدة من أقوى نماذج اللغة العربية متعددة الوسائط في العالم، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت ستطوره أم ستعمل مع أحد كبار صانعي النماذج للقيام بذلك.

لكن المملكة ليست الوحيدة التي تنفق الأموال. فقد كانت Amazon Web Services قد بدأت بالفعل في بناء منطقة، أطلقت عليها اسم “منطقة الذكاء الاصطناعي”، في المملكة العربية السعودية، وكشفت في آذار 2024 أنها ستنفق 5.3 مليارات دولار لبناء مراكز بيانات وتزويدها بالخوادم.

وصرّحت شركة “إنفيديا” في بيانها أن “هومين” ستبني أيضاً بنية تحتية للذكاء الاصطناعي على مدى السنوات الخمس المقبلة في المملكة العربية السعودية، وبالتالي ما تنفقه من مليارات الدولارات ستكسبه ريادة في مجال الذكاء الاصطناعي على صعيد الشرق الأوسط وربما إفريقيا وأوروبا، على الرغم من أن الصين والولايات المتحدة ستبقيان في الصدارة في هذا المجال. إضافة إلى استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، ستساعد السعودية على المزيد من التطوّر في كل المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والتجارية.

شارك المقال