بين مؤشرات استقرار مالي نسبي وضغوط اقتصادية لا تزال متواصلة، يقف لبنان عند مفترق حاسم في العام 2025، وسط مرحلة سياسية جديدة يُعلَّق عليها الكثير من الآمال لإطلاق مسار إصلاحي طال انتظاره. ففي تقريره الأخير حول “آفاق الاقتصاد العالمي”، رسم صندوق النقد الدولي مشهداً مزدوج الملامح للاقتصاد اللبناني في العام 2024: تحسّن اسمي لافت في الناتج المحلي الإجمالي مدفوع بتأثيرات تضخمية، يقابله انكماش فعلي يعكس هشاشة النمو الحقيقي. هذه المفارقة تسلّط الضوء على ما قد يكون عاماً محورياً: إما لترسيخ الاستقرار والانطلاق نحو التعافي البنيوي، أو لمزيد من التدهور في حال فشلت المؤشرات الأولية في الترجمة إلى إصلاحات ملموسة. فهل يشكّل العام 2025 نقطة انطلاق لتحوّل طال انتظاره؟
في هذا السياق، أورد التقرير مجموعة من المؤشرات الأساسية التي تُلخّص واقع الأداء الاقتصادي في 2024 وتُمهّد في آن لمقاربات استشرافية مشروطة لعام 2025، تزامناً مع انطلاق ولاية رئاسية جديدة قد تكون حاسمة في تحديد مسار الاقتصاد الوطني.
فقد قدّر الصندوق الناتج المحلي الإجمالي للبنان في العام 2024 بنحو 28.3 مليار دولار، ما يعادل 5,282 دولاراً للفرد، بزيادة نسبتها 19.8 في المئة مقارنة بالعام 2023. وعلى الرغم من هذا التحسّن الظاهري، لا يزال الناتج أدنى بنسبة 40 في المئة عن مستوياته ما قبل الأزمة في العام 2019، حين بلغ 8,808 دولارات للفرد. ويعزى هذا النمو الاسمي أساساً إلى ارتفاع معدّل التضخم، الذي بلغ في المتوسط نحو 45.2 في المئة بالدولار خلال العام، فيما استقرّ معدّل التضخم السنوي عند 18.1 في المئة بنهاية 2024. في المقابل، سجّل الناتج المحلي الحقيقي انكماشاً بنسبة 7.5 في المئة، متأثراً بالحرب في الجنوب والاضطرابات الاقليمية.
وتُبرز هذه الأرقام مفارقة بنيوية في أداء الاقتصاد: فالنمو الاسمي المموَّه بالتضخم يخفي انكماشاً فعلياً في النشاط الاقتصادي، ما يضع صنّاع القرار أمام ضرورة التمييز الدقيق بين النمو الظاهري والنمو الحقيقي، خصوصاً في ظل انطلاقة سياسية جديدة قد تشكّل لحظة مفصلية لإعادة رسم معالم الإصلاح والتنمية.
وانطلاقاً من هذا المستوى للناتج، تُقدّر مختلف الجهات أن الناتج المحلي في 2025 سيتجاوز عتبة الـ30 مليار دولار، وقد يصل إلى حدود 38 مليار دولار وفق تقديرات معهد التمويل الدولي، حتى في ظل سيناريوهات نمو متحفّظة. وبينما يعكس هذا الرقم المتوقّع الأثر المرتقب للتضخم، فإنه يُبرز في المقابل فرصة كامنة لتحقيق تحوّل نوعي، إذا ما اقترنت هذه المرحلة بإصلاحات بنيوية جدّية، ومقاربة متكاملة للحوكمة والشفافية.
ويُجمع عدد من الخبراء على أن استعادة الناتج المحلي لمستوياته ما قبل الأزمة، أي نحو 55 مليار دولار، تبقى ممكنة خلال خمس سنوات – أي مع نهاية الولاية الرئاسية الجديدة – بشرط تحقيق نمو حقيقي سنوي بمعدل وسطي يقارب 6 في المئة، ضمن برنامج إصلاحي طموح ومتّسق يشمل: إعادة هيكلة القطاع العام، تحرير الاقتصاد من التشوّهات البنيوية، ترميم الثقة بالقطاع المصرفي، وجذب الاستثمارات المنتجة.
أما على صعيد القطاع الخارجي، فقد سجّلت التجارة الخارجية انكماشاً ملحوظاً في 2024، حيث تراجعت الواردات بنسبة 4 في المئة والصادرات بنسبة 10 في المئة، نتيجة لانخفاض الطلب الاستهلاكي والاستثماري وتضرر القدرات الإنتاجية. ونتيجة لذلك، انخفض العجز في الحساب الجاري إلى 5.1 مليارات دولار (18.2 في المئة من الناتج) مقارنة بـ23.9 في المئة في 2023، وأسهم هذا التراجع في تسجيل فائض في ميزان المدفوعات قدره 1.4 مليار دولار، وفق تقديرات بنك عوده، استناداً إلى تغيّر صافي الموجودات الخارجية للقطاع المالي بعد التعديلات اللازمة.
في موازاة ذلك، سجّل لبنان شبه توازن في المالية العامة خلال العام 2024، إذ بلغت الإيرادات العامة 4.65 مليارات دولار (16.4 في المئة من الناتج)، مقابل نفقات بلغت 4.55 مليارات دولار (16.1 في المئة)، ما أسفر عن فائض طفيف بقيمة 0.1 مليار دولار (0.4 في المئة). ويُعدّ هذا التوازن النسبي إنجازاً بالنظر إلى ضآلة القاعدة الضريبية والانكماش الاقتصادي، وقد يشكّل قاعدة انطلاق نحو استقرار مالي مستدام، في حال اقترن بإصلاح ضريبي عادل وتعزيز كفاءة الإنفاق العام.
وقد انعكس هذا الأداء في استقرار نسبي لسعر الصرف خلال 2024، ما خفّف من الضغط على الاحتياطات النقدية وحدّ من التقلّبات في السوق الموازية، الأمر الذي يُتيح فرصة سانحة للسلطات النقدية والمالية في العهد الجديد لتطوير نظام سعر صرف أكثر مرونة، في إطار إعادة هيكلة شاملة للسياسات النقدية والمالية.
إذا كان عام 2024 قد شكّل مرحلة “الاستقرار الهش”، فإن عام 2025 يُطلّ بوصفه “عام التحوّل المشروط” أو “عام الاختبار الجوهري”، بحيث يتعيّن على الدولة اللبنانية أن تثبت قدرتها على تحويل المؤشرات الإيجابية الأولية – من توازن نسبي في المالية العامة والحساب الخارجي، إلى استقرار نقدي – إلى مسار مستدام للتعافي الهيكلي. فالعام الجاري هو نقطة تقاطع حقيقية: إمّا تثبيت هذا الاستقرار الظرفي والبناء عليه عبر إصلاحات مؤسساتية واقتصادية جدّية، وإمّا الانزلاق مجدداً نحو حلقة تراجع جديدة إذا غابت الارادة السياسية أو تعثّرت مسارات الإصلاح.


