عن إنجازات “ملوك الطوائف” في لبنان… المُغيَّب!

ياسين شبلي

ليس هناك “أفضل” من هذه الظروف ولا هذه الأيام التي تشهد حراكاً إقليمياً محموماً ومتغيرات قد ترسم معالم المنطقة لسنوات كثيرة مقبلة، لكي يتحسس اللبنانيون مدى الضرر والخراب الذي تركته الحرب اللبنانية عليهم منذ نصف قرن بالتمام والكمال، أمضوها في صراعات أكثرها “دونكيشوتية” قائمة على أوهام تخيلوها أو زرعها في عقولهم مشغلوهم من الخارج بهدف تسخينهم ومن ثم إستغلالهم، من وهم خطر التوطين الفلسطيني، إلى “حلم” تغيير المنطقة والعالم عن طريق الكفاح المسلح و”الثورة الشعبية” طريقاً لتحرير فلسطين والذي تحول إلى كابوس، إلى “خرافة” إستعادة الخلافة الإسلامية “السنية” تارة والامبراطورية الفارسية تحت شعارات “شيعية” تارة أخرى، حتى باتت أقصى أمانينا بعد نصف قرن من الصراعات أن نرى عودة بعض السياح العرب والأجانب إلى مطارنا بعد أن كنا في سبعينيات القرن الماضي محجة للسياحة، سواء الترفيهية منها أو الثقافية والفنية وحتى الصحية.

مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى المنطقة العربية بداية هذا الأسبوع، بدا وكأن زلزالاً سياسياً هذه المرة – بعد الزلازل العسكرية الأخيرة – قد ضربها، وتبشِّر إرتداداته المتوقعة ببزوغ عصر جديد فيها، عماده الاستقرار والتنمية بعد عقود من الحروب والخراب. وقد سبقت هذه الزيارة أصداء التباين الأميركي – الاسرائيلي حول الأوضاع في غزة وقضايا المنطقة، وهو ما لحظه العالم سواء في بدء المفاوضات مع إيران، أو الاتفاق مع الحوثي في اليمن على وقف الصراع، وإبرام صفقة عيدان الكسندر بمعزل عن إسرائيل، الأمر الذي لم يلقَ ترحيباً فيها بطبيعة الحال، ليستكملها ترامب بزيارة دول الخليج العربية وعقده الصفقات الكبرى معها، وهو أمر لا تستسيغه الدولة العبرية مهما بلغت “متانة” علاقاتها مع بعض هذه الدول، خصوصاً مع ترجمة هذه الصفقات سياسياً، وكان أبرزها لقاء الرئيس الأميركي بحاكم سوريا الجديد أحمد الشرع ورفع العقوبات عنها بناء لرغبة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو – الرئيس السوري – الذي كان مطلوباً للإدارة الأميركية بتهمة الإرهاب، مع ما يمثله هذا التطور – إذا ما إستمر وأستُكمل – من تأثير على مستقبل المنطقة وتطوراتها ربطاً بالدورين السعودي والتركي .

ما يهمنا في لبنان ومع بداية عهد جديد فيه، هو غياب لبنان بمشكلاته الكثيرة مع “الجيران” عن هذه التظاهرة بالتوازي مع حضور سوريا عبر رئيسها الإنتقالي، ما أوحى وكأن لبنان لم يزل متروكاً أو أقله متأخراً في سلم الأولويات لدى قادة المنطقة، وهو أمر يُسأل عنه بطبيعة الحال اللبنانيون وليس الآخرين، على الرغم من الجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية ومعه الحكومة لمحاولة إستعادة الانتظام العام لمؤسسات الدولة وهي مهمة شاقة وصعبة بعد نصف قرن من الحرب والفوضى وعدم الإستقرار.

إن هذا الغياب اللبناني هو الثمن الذي لا يزال يدفعه لبنان عن سني الحرب والغربة عن العالم وتطوراته ما عدا السلبية منها، وهو ثمن تدفعه كل طوائفه التي باتت بعد نصف قرن من الصراع في ما بينها طوائف ضعيفة مشلولة، من مسيحية مشتتة ومتناحرة – وليست متنافسة فثمة فرق بين التنافس والتناحر – على بلدية من هنا ومختار من هناك وكأنها أم المعارك المصيرية، إلى سُنية تائهة بغياب زعيمها الذي تضافرت ضده قوى الداخل والإقليم وذوو القربى بإحراجه حد إخراجه من دون تقديم بديل أثبتت الأيام أنه غير موجود، ومع ذلك لا يزال البعض في الداخل والإقليم مصراً على تجاهل هذا الواقع ولو عن طريق محاولة “إستيراد” زعيم لها من الاقليم وتلزيمه إياها – مع ما يعنيه هذا الأمر من إستخفاف بمصلحتها ومصلحة لبنان – وهو ما يجب أن يتنبَّه له عقلاؤها قبل فوات الأوان، إلى شيعية منكوبة جراء خيارات خاطئة وإنتحارية إتخذها “الحزب الحاكم” فيها وإنتهت بها إلى الإنكسار – نسبياً – على الرغم من حالة الإنكار والمكابرة من هذا البعض الذي كان سبباً في هذه النكبة التي يعجز “عقله المصادر” والمغيَّب في دهاليز المقدس عن إستيعابها.

الواضح من سياق الأحداث في المنطقة أن قطار التسوية الذي يبدو أنه على أهبة الإنطلاق لن ينتظر أحداً، وأن الوقت الممنوح للسلطة والحكومة في لبنان لإجراء اللازم من الاصلاحات الأمنية – حصر السلاح بيد الدولة – والاقتصادية والمالية – عبر إقرار الخطط والبدء بتنفيذها – ليس إلى ما لا نهاية، وأن العالم لن ينتظر طوائف لبنان كي تخرج من مآزقها التي وضعت نفسها فيها، فالعالم صحيح أنه بات قرية صغيرة لكنه يبقى أكبر من كل الطوائف والمذاهب، وبات يتعامل بالذكاء الاصطناعي ولم يعد مستعداً لتحمل الغباء الطبيعي لدى البعض، فهل يصحو “ملوك الطوائف” في لبنان من غفلتهم ويتخلوا عن بعض من غرورهم و”إنجازاتهم”، لنواكب العصر حتى ولو لم يكن على هوانا، وكيف يكون على هوانا ونحن قد أضعنا وطننا، وفَشِلنا في الحفاظ عليه على مدى نصف قرن وبتنا غير قادرين على العيش من دون وصاية ؟ فهل من عاقل – أو أكثر – لديه الجواب والجرأة والارادة كي ينقذنا؟

شارك المقال